• - إنجاز بحريني لمقياس عالمي ضد التدخين
  • - المقياس أثبت موثوقيته العلمية بمعامل ثبات بلغ 0.945
  • - يقيس دعم التشريعات والتوعية والسلوك الفردي عبر 23 بنداً
  • - توصية باعتماد المقياس لتقييم الحملات ودعم صُنّاع القرار

نجح فريق من الباحثين البحرينيين في تطوير أول مقياس علمي متخصص على المستوى العالمي لقياس المسؤولية الاجتماعية الشخصية تجاه الدعوة إلى مكافحة التدخين، في خطوة من شأنها دعم الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى الحد من انتشار التبغ وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطره الصحية والاقتصادية والبيئية، وذلك في إنجاز علمي جديد يضاف إلى سجل البحث العلمي البحريني في مجالات الصحة العامة والمسؤولية المجتمعية.

وجاء هذا الإنجاز من خلال دراسة علمية حديثة أعدها كل من د.أحمد إبراهيم، وعائشة فقيه، ود.كوثر العيد، ونشرت رسمياً عبر دار النشر الدولية المرموقة «سبرينغر ناتشر» ضمن كتاب «الممارسات المستدامة والمسؤولة في التكنولوجيا والأعمال من أجل مجتمع صحي وخالٍ من التدخين»، لتشكل إضافة نوعية للأدبيات العلمية المتخصصة في مجالي المسؤولية الاجتماعية والصحة العامة.

وحملت الدراسة عنوان «المسؤولية الاجتماعية الشخصية تجاه الدعوة لمكافحة التدخين: تطوير المقياس والتحقق من صحته»، حيث انطلقت من الحاجة إلى إيجاد أداة علمية دقيقة يمكن من خلالها قياس مدى شعور الأفراد بالمسؤولية تجاه المشاركة في الحد من انتشار التدخين، سواء من خلال دعم التشريعات والسياسات الوقائية أو المشاركة في حملات التوعية أو تبني سلوكيات شخصية تعزز من حماية المجتمع من أضرار التبغ.

وأوضح الباحثون أن التدخين لم يعد يُنظر إليه باعتباره خياراً شخصياً أو سلوكاً فردياً فحسب، بل أصبح قضية صحية ومجتمعية معقدة تمتد آثارها إلى مختلف جوانب الحياة، بدءاً من التأثيرات الصحية المباشرة على المدخنين وغير المدخنين، مروراً بالأعباء الاقتصادية التي تتحملها الأسر والأنظمة الصحية، وصولاً إلى التأثيرات البيئية الناتجة عن مخلفات السجائر ومنتجات التبغ المختلفة.

وأشار الفريق البحثي إلى أن مراجعة الأدبيات العلمية والدراسات السابقة أظهرت وجود نقص واضح في الأدوات العلمية القادرة على قياس المسؤولية الاجتماعية الشخصية تجاه مكافحة التدخين بشكل مباشر، الأمر الذي دفع الباحثين إلى العمل على تطوير مقياس جديد يسد هذه الفجوة ويوفر أداة علمية يمكن الاعتماد عليها في الدراسات المستقبلية وفي تقييم البرامج والمبادرات المرتبطة بالتوعية الصحية.

واعتمدت الدراسة على منهجية علمية دقيقة شملت إجراء دراسة ميدانية على عينة مكونة من 160 مشاركاً من أعضاء منظمات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية في مملكة البحرين، باعتبار هذه الفئة من أكثر الفئات ارتباطاً بالعمل المجتمعي والتطوعي والمبادرات الهادفة إلى خدمة المجتمع وتعزيز الصحة العامة.

وخضع المقياس الجديد لسلسلة من الاختبارات والإجراءات الإحصائية المتقدمة بهدف التحقق من مستوى الصدق والثبات والموثوقية، حيث أظهرت النتائج نجاح الباحثين في بناء مقياس علمي متكامل أطلق عليه اسم «PSRAA»، وتمت صياغته في صورته النهائية من 23 بنداً بعد استبعاد بندين لم يستوفيا المتطلبات العلمية والإحصائية اللازمة.

وأثبتت نتائج التحليل الإحصائي أن المقياس يتمتع بدرجة مرتفعة جداً من الثبات والاتساق الداخلي، حيث بلغ معامل ألفا كرونباخ 0.945، وهو من المؤشرات العلمية المهمة التي تعكس قوة المقياس وقدرته على قياس المفهوم المستهدف بدقة وموثوقية عالية، ما يجعله أداة مناسبة للاستخدام في الدراسات العلمية والبحوث التطبيقية المتعلقة بالصحة العامة والمسؤولية الاجتماعية.

وكشف التحليل العاملي الاستكشافي الذي أجراه الباحثون عن وجود عاملين رئيسيين يشكلان مفهوم المسؤولية الاجتماعية الشخصية تجاه مكافحة التدخين. ويتمثل العامل الأول في «جهود الرقابة المجتمعية»، ويضم 17 بنداً تتعلق بدعم المبادرات التوعوية والتشريعات القانونية والاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بمكافحة التدخين، بما في ذلك تأييد حظر إعلانات التبغ، وتشديد الرقابة على منتجاته، وفرض الضرائب والرسوم التي تسهم في الحد من استهلاكه.

أما العامل الثاني فهو «المسؤولية السلوكية الشخصية»، ويضم ستة بنود تركز على سلوك الفرد ومواقفه الشخصية تجاه التدخين وانعكاساتها الصحية والاقتصادية والبيئية، بما يشمل الحرص على تجنب التدخين أو التدخين السلبي، والمشاركة في نشر الوعي بين أفراد الأسرة والمجتمع، وتعزيز الممارسات التي تدعم بيئة صحية خالية من التدخين.

كما أظهرت نتائج الدراسة أن المقياس المطور يغطي سبعة أبعاد رئيسية ترتبط بظاهرة التدخين وتأثيراتها المختلفة، وهي البعد الاجتماعي، والبعد الاقتصادي، والبعد القانوني، والبعد الأخلاقي، والبعد الصحي، والبعد التوعوي، والبعد البيئي، الأمر الذي يمنحه شمولية أكبر في قياس مختلف جوانب المسؤولية الاجتماعية المرتبطة بهذه القضية.

وأكد الباحثون أن أهمية هذا المقياس لا تقتصر على الجانب الأكاديمي أو البحثي فقط، بل تمتد إلى إمكانية الاستفادة منه في دعم صناع القرار وواضعي السياسات الصحية، من خلال توفير بيانات ومؤشرات تساعد على فهم اتجاهات المجتمع ومستوى استعداده للمشاركة في جهود مكافحة التدخين، بما يسهم في تطوير برامج أكثر فاعلية وتأثيراً.

وفي ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، أوصى الفريق البحثي بضرورة توظيف المقياس الجديد في تقييم المبادرات الوطنية وحملات التوعية الخاصة بمكافحة التبغ، والعمل على قياس مستوى المسؤولية الاجتماعية لدى مختلف فئات المجتمع بصورة دورية، بما يساعد على رصد التغيرات في الوعي والسلوك المجتمعي تجاه هذه القضية.

كما دعت الدراسة إلى تطوير نسخ أخرى من المقياس تستهدف فئات عمرية مختلفة، وفي مقدمتها فئة المراهقين والشباب، بهدف التعرف على كيفية تشكل القيم والاتجاهات المرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية تجاه التدخين منذ المراحل العمرية المبكرة، الأمر الذي قد يسهم في بناء برامج وقائية أكثر فاعلية على المدى الطويل.

وشدد الباحثون كذلك على أهمية مراعاة الخصوصيات الثقافية والتشريعية عند تطبيق المقياس في دول ومجتمعات أخرى، مع ضرورة تعزيز الاهتمام بالأبعاد البيئية والاقتصادية للتدخين، خاصة ما يتعلق بالتلوث الناتج عن مخلفات السجائر والهدر المالي الذي يترتب على استهلاك منتجات التبغ.

ويُنظر إلى هذا الإنجاز البحثي باعتباره خطوة متقدمة في مسار الدراسات التي تربط بين المسؤولية الاجتماعية الفردية والصحة العامة، كما يمثل مساهمة بحرينية نوعية في الجهود العالمية الرامية إلى الحد من التدخين وتعزيز جودة الحياة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال ترسيخ مفهوم أن مكافحة التدخين ليست مسؤولية الجهات الصحية وحدها، وإنما مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ من وعي الفرد وتنتهي بأثرها الإيجابي على المجتمع بأكمله.