عندما أجلس مع الصديقات أول ما يتم سؤالي عنه هل يوجد زخم للعمل في المجلس؟؟؟ "هل تقضون يومكم في رفع الأيدي والموافقة؟" على سبيل المزح.
طبعاً أستشعر بأن هناك مسؤولية جادة لإجابتها بوضوح مع تمازج الضحكة طبعاً.. لأن هذا السؤال يشبه الاعتقاد بأن الطائرة تطير بسبب المضيفة، أو أن المسرحية تنجح؛ لأن الستارة جميلة!
هذه هي الصورة التي يراها كثيرون عن البرلمان؛ قاعة كبيرة، نواب يتحدثون، تصويت هنا، ومناقشة هناك. لكن الحقيقة أن ما يحدث تحت قبة البرلمان يشبه جبل الجليد؛ الجزء الظاهر صغير، أما الجزء الأكبر، فيبقى بعيداً عن الأنظار.
منذ انضمامي إلى مجلس النواب البحريني عام 2003، اكتشفت أن العمل البرلماني ليس مجرد مقاعد وجلسات وخطابات رسمية. إنه عالم كامل من التفاصيل والقصص والملفات التي تبدأ أحياناً بسؤال من مواطن، وتنتهي بتشريع أو قرار قد يؤثر في حياة آلاف الأشخاص.
فخلف كل مادة قانونية قصة، وخلف كل مناقشة احتياج حقيقي، وخلف كل جلسة ساعات طويلة من البحث والتحليل والدراسة.
وبمناسبة اليوم العالمي للعمل البرلماني، ربما يكون الوقت مناسباً لكشف أحد أسرار هذه المهنة: البرلمان لا يعمل فقط عندما تُفتح الجلسة، بل يبدأ عمله الحقيقي غالباً قبل أن تبدأ الجلسة وعند انتهائها!
هناك ما أحب أن أسميه بـ"المطبخ البرلماني"، وهو المكان الذي لا تظهره الكاميرات. حيث يعمل موظفو الأمانة العامة على إعداد الدراسات والبحوث وتحليل الملفات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ومراجعة المقترحات والتشريعات ومتابعة القضايا المختلفة. باختصار، هناك جيش هادئ يعمل خلف الكواليس حتى تصل الأفكار إلى قاعة النقاش بصورة دقيقة ومدروسة.
وفي هذا المطبخ تحديداً، للمرأة قصة تستحق أن تروى، فالحديث عن المرأة في البرلمان لا يقتصر على المرأة النائبة التي تتحدث من منصة المجلس، أو تشارك في التصويت. بل يشمل أيضًا الموظفة التي تعمل في إعداد الدراسات، وصياغة المذكرات، وتحليل الملفات، ومتابعة اللجان، وتمثيل البحرين في المحافل البرلمانية المختلفة.
أحيانًا أتأمل المشهد داخل المجلس؛ أصوات تتداخل، أوراق تُراجع، آراء تتباين، ثم أجد امرأة تدير ملفاً معقداً، وأخرى تتابع قضية تشريعية، وثالثة تمثل بلادها في اجتماع برلماني دولي. عندها أدرك أن قصة المرأة البرلمانية لم تعد قصة وصول إلى المقعد، بل قصة تأثير حقيقي في صناعة القرار.
ولعل أجمل ما في التجربة البحرينية أن هذا الحضور لم يأتِ صدفة، بل كان ثمرة رؤية وطنية آمنت بقدرات المرأة، ورسخها المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم، حتى أصبحت المرأة اليوم شريكاً فاعلاً في مختلف مواقع العمل الوطني.
ومع تسارع التحولات العالمية، من الذكاء الاصطناعي إلى الاستدامة والتحول الرقمي، أصبح البرلمان أكثر مرونة وابتكاراً وتطوراً ومواكبة بسرعة التطور العالمي. فالمواطن اليوم لا ينتظر فقط صدور القوانين، بل يريد مؤسسات سريعة الاستجابة، واضحة في قراراتها، وقريبة من همومه.
بعد سنوات من العمل في هذا المجال، تعلمت أن نجاح البرلمان لا يُقاس بعدد الجلسات أو صفحات القوانين فحسب، بل بعدد المشكلات التي ساهم في حلها، وبمقدار الثقة التي يبنيها بين المواطن ومؤسسات الدولة.
أما السؤال الذي بدأنا به: "هل تقضون يومكم في رفع الأيدي؟"
فالإجابة ببساطة: لا.
نحن نقضي معظم الوقت في استخدام عقولنا قبل أن تُرفع أي يد.
بين القبة والكواليس... تحية لأهل الإنجاز في اليوم العالمي للعمل البرلماني، أتقدم بخالص التقدير والامتنان إلى معالي رئيس مجلس النواب الموقر، والسادة أعضاء مجلس النواب، وسعادة أمين عام المجلس، وإلى الأعزاء موظفي الأمانة العامة الأكفاء، الذين يواصلون أداء رسالتهم الوطنية بإخلاص ومهنية، ويسهمون كلٌ من موقعه في دعم مسيرة العمل البرلماني وخدمة الوطن والمواطن.