أيمن شكل

منشآت الطاقة تواجه تهديدات استراتيجية متصاعدة

المسيّرات تعيد رسم فلسفة الهجوم والدفاع في العالم

حلول دفاعية منخفضة التكلفة تحمي المنشآت الاستراتيجية

الأقفاص الواقية تدخل معادلة حماية المنشآت النفطية

الحرب الروسية الأوكرانية تقود تجارب التحصين ضد المسيّرات

حماية المنشآت النفطية لم تعد تعتمد على الدفاع الجوي فقط

المسيّرات الانتحارية تدفع لتوسيع أنظمة الدفاع السلبي

شبكات الحماية تقلص مخاطر توقف الإنتاج وسلاسل الإمداد

دول تتجه لتحصين المطارات والموانئ ضد الهجمات الدقيقة

الهجمات الحديثة تفرض معايير أمنية جديدة على قطاع الطاقة

التحصينات المعدنية مرشحة لتصبح معياراً أمنياً خليجياً

أمن الطاقة ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي

التحصينات الهندسية تتحول إلى خط دفاع ثابت للمنشآت الحيوية

في ظل التصاعد المتسارع لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة على منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، تتجه بعض الدول إلى إعادة صياغة عقيدة الحماية التقليدية، عبر دمج التحصينات الهندسية والشبكات المعدنية ضمن منظومات «الدفاع متعدد الطبقات»، وذلك لمواكبة طبيعة التهديدات الحديثة التي فرضت معادلات أمنية وعسكرية جديدة.

ويرى خبراء أمنيون وعسكريون أن الحروب المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على اختراق الدفاعات الجوية التقليدية، بل باتت تقوم على استنزافها اقتصادياً وعملياتياً عبر موجات متكررة من المسيّرات منخفضة التكلفة، الأمر الذي دفع إلى البحث عن حلول دفاعية أكثر مرونة وأقل كلفة، قادرة على امتصاص الضربات وتقليل الخسائر وضمان استمرارية التشغيل في المنشآت الحيوية.

وأكد مختصون أن التحصينات الشبكية والمعدنية لم تعد مجرد إجراء تكميلي أو مؤقت مرتبط بحالات الطوارئ، بل أصبحت جزءاً من بيئة أمنية دائمة ومعياراً دفاعياً جديداً لحماية منشآت النفط والغاز والموانئ والمطارات ومحطات الطاقة، خصوصاً مع تنامي المخاطر المرتبطة باستهداف البنية التحتية الاقتصادية. كما أشاروا إلى أن التجارب الميدانية في الحرب الروسية الأوكرانية أثبتت فعالية الدمج بين الدفاعات الجوية والدفاع السلبي والتحصينات الهندسية في الحد من أضرار الهجمات، محذرين من أن أمن الطاقة لم يعد ملفاً اقتصادياً فحسب، بل تحول إلى ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي والاستقرار الإقليمي وسلامة سلاسل الإمداد العالمية.

الشهري: يكفي تعطيل المنشأة لإحداث ضرر اقتصادي

أوضح المحلل السياسي السعودي العميد د. أحمد الشهري أن الحرب الإقليمية الأخيرة أثبتت أن التهديد لم يعد يتمثل في صاروخ منفرد أو طائرة مسيرة منفردة، بل في حملات جوية مركبة ومتعددة الطبقات تجمع بين المسيّرات الانتحارية والصواريخ الدقيقة وأهداف الخداع والإرباك الإلكتروني في وقت واحد، وقد أظهرت المواجهات أن حتى الدول التي تمتلك دفاعات جوية متقدمة للغاية تتجه اليوم إلى تعزيز منظوماتها بطبقات حماية إضافية تشمل التحصين الهندسي واستمرارية التشغيل. ولفت الشهري إلى أن من أبرز دروس الحرب الأخيرة أن الهجمات الحديثة لم تعد تستهدف بالضرورة التدمير الكامل للمنشآت، بل تسعى إلى إحداث اضطراب مؤقت أو إرباك تشغيلي قد يؤثر في حركة التصدير وسلاسل الإمداد، ويرفع تكاليف التأمين والنقل، بما يفرض ضغوطاً اقتصادية وسياسية تتجاوز في بعض الأحيان الكلفة العسكرية للهجمات نفسها.

وأضاف أن هذا النمط من التهديدات برز بوضوح في محاولات استهداف البنية التحتية الحيوية وقطاعات الطاقة والاتصالات في عدد من ساحات الصراع الحديثة. وقال الشهري: «كذلك أظهرت الحرب الأخيرة تحولاً مهماً في فلسفة الهجوم؛ فبدلاً من البحث عن اختراق دفاعي شامل، يجري استنزاف المدافع عبر موجات متعاقبة من الأهداف الرخيصة نسبياً لإجبار أنظمة الدفاع على استهلاك الذخائر والموارد، ثم توجيه الضربات الأكثر دقة نحو الأهداف الحساسة، وهذه الظاهرة أصبحت من أبرز الدروس المستخلصة من الصراعات الحديثة».

وأكد أن التحدي الأكبر لدول الخليج العربي، لا يتمثل في حجم المسيّرة الإيرانية أو مداها فحسب، وإنما في ما يمكن تسميته “اقتصاد الهجوم مقابل اقتصاد الدفاع”، فالمهاجم يستطيع إطلاق أعداد كبيرة من الوسائط منخفضة الكلفة نسبياً، بينما يضطر المدافع إلى استخدام أنظمة كشف واعتراض عالية الكلفة لحماية منشآت تبلغ قيمتها عشرات الملايين من الدولارات، ولهذا تتجه العقائد الدفاعية الحديثة إلى بناء طبقات دفاع متنوعة الكلفة بدلاً من الاعتماد على طبقة واحدة باهظة الثمن. وأشار إلى أنه من زاوية الأمن القومي الخليجي، فإن المنشآت النفطية يجب أن تُعامل اليوم باعتبارها: 1. أهداف اقتصادية. 2. أهداف عسكرية غير مباشرة. 3. أدوات ضغط جيوسياسي. 4. عناصر ردع وسمعة استراتيجية للدولة.

وأضاف: «لذلك فإن معيار النجاح لم يعد منع الإصابة فقط، بل ضمان استمرار الإنتاج والتصدير حتى بعد وقوع الإصابة، وهذا هو المفهوم الذي تتبناه حالياً أغلب الدول التي واجهت هجمات كثيفة بالمسيّرات والصواريخ على بنيتها التحتية الحيوية».

وعلى المستوى الاستراتيجي البحت، أكد أن الحرب الأخيرة أثبتت أن “المنشأة النفطية التي لا تملك قدرة امتصاص الضربة والتعافي السريع أصبحت نقطة ضعف وطنية، مهما بلغت قوة الدفاعات المحيطة بها»، وهذا الاستنتاج هو أهم درس عسكري- استراتيجي يمكن لدول الخليج استخلاصه من طبيعة الحروب الحديثة القائمة على المسيّرات والصواريخ الدقيقة واستهداف البنى التحتية الحرجة. الشريدة: «أقفاص الحماية» فعالة ضد الطائرات الانتحارية وبالنسبة لـ”أقفاص التعامل مع الدرونز” أو التحصينات المعدنية المستوحاة من التجربة الروسية، أشار المحلل السياسي سلمان الشريدة إلى أنها تمثل تطوراً مهماً في مفهوم حماية المنشآت الحيوية في الخليج، لكنها ليست حلاً كاملاً أو بديلاً عن منظومات الدفاع الجوي التقليدية، فهذه التحصينات قد تكون فعالة بشكل كبير ضد الطائرات الانتحارية الرخيصة مثل “شاهد - 136”، لأنها تقلل من فرص إصابة الهدف بشكل مباشر، وتحد من تأثير الانفجار في حال وصول الطائرة إلى محيط المنشأة، وقال: «في تقديري، فإن أهميتها تكمن في كونها طبقة إضافية ضمن منظومة دفاع متعددة المستويات، وليست خط الدفاع الوحيد».

وأكد الشريدة أن التحول الخليجي نحو تبني مثل هذه الحلول الدفاعية البسيطة يعكس إدراكاً استراتيجياً جديداً بأن التهديدات لم تعد تقليدية، وأن مواجهة مسيرة منخفضة التكلفة بصاروخ اعتراض باهظ الثمن ليست معادلة مستدامة على المدى الطويل، لذلك نشهد اليوم انتقالاً من مفهوم الاعتماد الكامل على الدفاعات الجوية المتقدمة إلى مفهوم “الدفاع المتكامل” الذي يجمع بين الرصد والاعتراض والتحصين الهندسي والدفاع السلبي. بيئة أمنية مستدامة ونوه الشريدة بأن تصنيف هجمات الطائرات المسيرة باعتبارها خطراً مستمراً وليس تهديداً عارضاً، يفرض تغييراً جوهرياً في عقيدة الدفاع عن البنية التحتية للطاقة، وقال إن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بفترات التوتر أو الحروب، بل أصبحت جزءاً من بيئة أمنية دائمة تتطلب جاهزية مستمرة وتحصينات ثابتة لحماية منشآت النفط والغاز والمطارات والموانئ.

وأضاف: «من هذا المنطلق، فإن إنشاء هذه التحصينات بالقرب من منشآت حيوية ومطارات يسهم بشكل مباشر في تقليل مخاطر الهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة في مناطق النزاعات، أو أي هجمات مشابهة تستهدف الاقتصاد وأمن الطاقة، فحتى لو نجحت بعض المسيرات في اختراق الدفاعات الجوية، فإن وجود طبقات حماية أخيرة حول الأهداف الحساسة يقلل حجم الأضرار، ويعزز قدرة المنشآت على الاستمرار في العمل».

وتوقع أن تتحول هذه التحصينات المعدنية خلال السنوات المقبلة إلى معيار أمني جديد في دول الخليج، خاصة حول خزانات النفط ومنشآت الغاز والمرافق الاستراتيجية، لأن طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة متشابهة إلى حد كبير، وما نشهده اليوم في عدد من الدول قد يمثل جزءاً من اتجاه عالمي متنامٍ نحو تعزيز حماية المنشآت الحيوية. واختتم قائلاً: «تعكس هذه التحصينات حقيقة مهمة، وهي أن موجات الطائرات المسيرة الكثيفة أصبحت تحدياً حقيقياً حتى لأكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً، ورغم التطور الكبير الذي حققته أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، فإن العقائد الدفاعية المعاصرة تتجه إلى الجمع بين وسائل الحماية المختلفة لتعزيز الجاهزية وتقليل المخاطر إلى أدنى مستوى ممكن، ولذلك فإن الشبكات المعدنية والتحصينات المشابهة تسد جزءاً مهماً من فجوة التكلفة بين المسيرات الرخيصة وصواريخ الاعتراض الباهظة، وتجعل الخصم بحاجة إلى موارد أكبر لتحقيق نتائج أقل، وهو ما يعزز من قدرة الردع، ويزيد من صلابة البنية التحتية الحيوية في المنطقة». صابر: جزء مهم من مفهوم «الدفاع متعدد الطبقات» وأوضح خبير مقاومة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات من جمهورية مصر العربية العقيد حاتم صابر أن الشبكات المعدنية أو “الأقفاص الواقية” أصبحت تمثل طبقة دفاع أخيرة، وليست بديلاً عن منظومات الدفاع الجوي؛ لأن فعاليتها ترتفع ضد الطائرات المسيرة الانتحارية البطيئة نسبياً ذات التوجيه المباشر، مثل عائلة “شاهد”، لأنها قد تتسبب في انفجار الرأس الحربي قبل اصطدامه المباشر بالخزان أو المنشأة.

وأكد العقيد صابر أن تلك الأقفاص الواقية تقلل من حجم الأضرار الهيكلية والحرارية الناتجة عن الانفجار المباشر وتوفر حماية جيدة ضد الدرونز منخفضة الارتفاع التي تنجح في اختراق الطبقات الدفاعية الأخرى، وفعاليتها تنخفض أمام الصواريخ الباليستية أو الصواريخ المجنحة ذات السرعات العالية والطاقة الحركية الكبيرة، لافتاً إلى أن بيئة الخليج العربي المفتوحة والمسطحة تصبح فيها هذه التحصينات جزءاً مهماً من مفهوم “الدفاع متعدد الطبقات” وليس الحل الوحيد.

وحول الدلالات الاستراتيجية لتحول دول الخليج نحو تبني حلول دفاعية بسيطة لحماية أصول الطاقة الحيوية بدلاً من الاعتماد الكلي على الدفاعات الجوية التقليدية، أكد العقيد صابر أن ذلك يعكس اعترافاً بأن الدفاع الجوي يمثل الركيزة الأساسية للحماية، إلا أن الاتجاهات العسكرية الحديثة تدفع نحو إضافة طبقات مساندة لرفع كفاءة المنظومة الدفاعية الشاملة، ويمثل انتقالاً من فلسفة “منع الاختراق” إلى فلسفة “تقليل آثار الاختراق”، ويشير إلى أن البنية التحتية النفطية أصبحت هدفاً دائماً في أي مواجهة إقليمية، كما أنه يعكس تزايد القناعة بأن الحروب الحديثة تعتمد على الاستنزاف الاقتصادي أكثر من التدمير العسكري المباشر، ويؤكد أن حماية المنشآت الاستراتيجية لم تعد مسؤولية الصواريخ الاعتراضية فقط، بل تشمل الهندسة الدفاعية والتحصينات السلبية، مما يبرز اتجاهاً عالمياً نحو دمج الدفاع العسكري بالتصميم الهندسي للمنشآت الحيوية.

وأوضح أن هجمات المسيرات تصنف اليوم كـ “خطر مستمر وليس عرضياً” وتغير من عقيدة الدفاع عن البنية التحتية العالمية للطاقة في المنطقة، وقال إن هذا الوضع يحول حماية المنشآت النفطية من حالة الطوارئ إلى حالة الاستعداد الدائم، ويدفع الحكومات إلى إعادة تصميم منشآت الطاقة الجديدة وفق معايير مقاومة للدرونز ويزيد من أهمية أنظمة الرصد المبكر والذكاء الاصطناعي في حماية الأهداف الحيوية.