حوار: أيمن شكل – تصوير سهيل وزير

- "العقوبات البديلة" انطلقت من الرؤية الملكية السامية للحفاظ على كيان الأسرة

- النيابة العامة "صمام الأمان" في نظام العقوبات البديلة وتتابع تنفيذها لضمان غايتها الإصلاحية

- تطوير مستمر للقواعد الإرشادية التنظيمية لتطبيق القانون بفعالية وانسيابية

- الدليل الإرشادي لتنفيذ العقوبات البديلة.. ثمرة تعاون بين الأعلى للقضاء والنيابة والداخلية

- قانون عام 2025 وسّع نطاق العقوبات البديلة وأضاف صوراً جديدة لمنظومتها

- تعديل القانون في 2021 قنّن التنسيق التكاملي بين النيابة العامة وجهات التنفيذ

- جلسات نقاشية دورية تجمع قضاة تنفيذ العقاب وأعضاء نيابة التنفيذ لتعزيز التنسيق

_ 15505 عقوبات بديلة أشرفت النيابة العامة على تنفيذها بنجاح حتى نهاية عام 2025

- 10233 مستفيداً من برامج العقوبات البديلة المتنوعة

- 5208 حالات لعقوبة العمل في خدمة المجتمع.. الأعلى تطبيقاً بين العقوبات البديلة

كشف رئيس نيابة التنفيذ حمد القلاف أن منظومة العقوبات البديلة في مملكة البحرين أشرفت على تنفيذ أكثر من 15 ألف حالة حتى نهاية عام 2025، قبل أن يروي في الوقت ذاته قصص نجاح متعددة، من بينها توظيف شركة 8 محكومين أثبتوا جدارتهم في العمل، ومحكوم آخر طوّر النظام الإداري للجهة التي عمل بها خلال فترة عقوبته.

وأكد القلاف، في حوار شامل مع «الوطن»، أن العقوبات البديلة انطلقت أساساً من الرؤية الملكية السامية للحفاظ على كيان الأسرة، مشدداً على أن النيابة العامة تمثل «صمام الأمان» في هذا النظام، فهي لا تكتفي بفرض العقوبة بل تتابع تنفيذها لضمان تحقيق غايتها الإصلاحية.

وأضاف أن هناك تطويراً مستمراً للقواعد الإرشادية التنظيمية لتطبيق القانون بفعالية وانسيابية، لافتاً إلى أن الدليل الإرشادي لتنفيذ العقوبات البديلة جاء ثمرة تعاون مؤسسي بين المجلس الأعلى للقضاء والنيابة العامة ووزارة الداخلية.وأشار إلى أن قانون عام 2025 وسّع نطاق العقوبات البديلة وأضاف صوراً جديدة إلى منظومتها، موضحاً أن تعديل القانون في عام 2021 كان قد قنّن التنسيق التكاملي بين النيابة العامة وجهات التنفيذ.

وقال إن النائب العام يتابع شخصياً وبشكل دوري سير مشروع العقوبات البديلة بوصفه مشروعاً إنسانياً وطنياً، مبيناً أن هناك جلسات نقاشية دورية تجمع قضاة تنفيذ العقاب بأعضاء نيابة التنفيذ لتعزيز هذا التنسيق.

وفي الشق الإحصائي، كشف القلاف أن النيابة العامة أشرفت على تنفيذ 15,505 عقوبات بديلة بنجاح حتى نهاية عام 2025، استفاد منها 10,233 شخصاً من برامجها المتنوعة.

وأوضح أن عقوبة العمل في خدمة المجتمع جاءت الأعلى تطبيقاً بواقع 5,208 حالات، فيما كانت عقوبة الحضور إلى الجهة الأمنية الأقل تطبيقاً، تلتها عقوبة حظر ارتياد أماكن محددة بواقع 2,647 حالة كإجراء وقائي للحد من «العود»، وعقوبة إصلاح الضرر الناشئ عن الجريمة بواقع 1,575 حالة تجسيداً لمفهوم العدالة التصالحية، إضافة إلى 1,424 حالة خضعت للمراقبة الإلكترونية دون عزل المحكوم عليه عن بيئته الاجتماعية، بينما لم تتجاوز حالات الإقامة الجبرية في مكان محدد 335 حالة، بوصفها الأكثر تقييداً لحركة المحكوم عليه.

وفيما يتعلق بآلية التنفيذ والاستبدال، بيّن أن كل خمس ساعات عمل تعادل يوماً واحداً من مدة العقوبة الأصلية، وأن ساعات العمل في خدمة المجتمع لا تتجاوز 8 ساعات يومياً وفق الضوابط القانونية، مشيراً إلى أن مدة العقوبة البديلة تُحسب على أساس العقوبة الأصلية أو المدة المتبقية منها فقط.

وعن الجانب المالي، قال إن إعسار المحكوم عليه لا يحول دون نظر طلب استبدال العقوبة اتساقاً مع البعد الإنساني الذي راعاه المشرّع، لافتاً إلى أن الإعسار لا يسقط الالتزامات المالية بل يبقيها قائمة لحين تحسن وضع المحكوم عليه، مبيناً أن هناك مادة بالقانون تشترط أداء الالتزامات المالية للمحكمة الجنائية قبل قبول طلب الاستبدال، وأن محاكم التنفيذ المدنية هي الجهة المختصة بإثبات إعسار طالبي الاستبدال.

واختتم القلاف بالتأكيد على أن البحرين أصبحت اليوم نموذجاً إقليمياً رائداً في مجال العقوبات البديلة ومرجعاً لتبادل الخبرات مع دول أخرى. وفيما يلي نص الحوار:

ما آلية التنسيق بين النيابة العامة وقاضي تنفيذ العقاب عند نظر طلبات استبدال العقوبة؟

- تضطلع النيابة العامة بدور محوري عند نظر طلبات استبدال العقوبة، يتمثل في إبداء رأيها في ضوء معطيات الملف، وطبيعة الجريمة، وسلوك المحكوم عليه، ومدى ملاءمة استبدال العقوبة المحكوم بها بعقوبة أو تدبير بديل.

ويعد سماع أقوال النيابة العامة في هذا الشأن إجراءً جوهرياً أوجبه القانون، باعتباره ضمانة أساسية تسبق صدور القرار، إذ يتيح لقاضي تنفيذ العقاب الإحاطة بكافة الجوانب القانونية والواقعية المرتبطة بالطلب، وصولاً إلى قرار قضائي متوازن يراعي مصلحة المجتمع، وحقوق المحكوم عليه، ومتطلبات التأهيل وإعادة الإدماج.

وعلى المستوى العملي، يقوم التنسيق بين النيابة العامة وقاضي تنفيذ العقاب على تكامل مؤسسي يهدف إلى تعزيز فاعلية منظومة العقوبات البديلة وتيسير إجراءاتها. ومن أبرز صور هذا التعاون إصدار الدليل الإرشادي لتنفيذ العقوبات البديلة بالتعاون بين المجلس الأعلى للقضاء، والنيابة العامة، والإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة بوزارة الداخلية، بما تضمنه من تحديد واضح للإجراءات والأدوار والمسؤوليات المنوطة بكل جهة.

وتأكيداً على هذا التناغم، يحرص المجلس الأعلى للقضاء بشكل دوري على عقد جلسات نقاشية مستمرة تجمع قضاة تنفيذ العقاب بأعضاء نيابة التنفيذ، كون النيابة العامة جزءاً لا يتجزأ من السلطة القضائية؛ لمتابعة الإحصائيات، وبحث ما يستجد من تحديات عملية، والنظر في تفاصيل التهم لضمان استمرارية هذا التنسيق والتعاون المتميز بين المجلس الأعلى للقضاء والنيابة العامة.

ما الدور الذي تقوم به النيابة العامة في طلبات استبدال العقوبة، خاصة بعد منح وزارة الداخلية صلاحية التقدم بهذه الطلبات؟ وهل يختلف تعامل النيابة مع الطلب إذا كان مقدماً من المحكوم عليه أو من وزارة الداخلية؟

- في الأصل، لم يختلف دور النيابة العامة الجوهري قبل تعديل القانون أو بعده؛ إذ إن النيابة العامة كانت تقوم بالتنسيق والبحث المستمر مع الإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة بوزارة الداخلية كشريك أساسي منذ بدء تطبيق القانون، حتى لو استلمت النيابة الطلب مباشرة من المحكوم عليه بموجب المادة الثانية عشرة من القانون. وقد جاء تعديل القانون في عام 2021 ليقنن هذا التنسيق التكاملي في نصوص تشريعية واضحة تضمن سلاسة العمل الإداري والقضائي. ودور النيابة يظل محورياً في مراجعة سلامة الملفات وبناء التقارير وإبداء الرأي القانوني السديد أمام قاضي تنفيذ العقاب لضمان الملاءمة التامة.

ورد في الدليل الإرشادي لتنفيذ العقوبات البديلة أن المدة المحددة لإنجاز طلب استبدال العقوبة هي ثلاثة أيام عمل. فهل تعد هذه المدة ملزمة في جميع الحالات دون استثناء؟ وما الظروف أو العوامل التي قد تستدعي تجاوزها؟

- إن مدة الثلاثة أيام عمل تعد معياراً زمنياً تنظيمياً ورد في الدليل الإرشادي لتنفيذ العقوبات البديلة، وقد تقررت بهدف ضمان سرعة دراسة طلبات الاستبدال وفاعلية الإجراءات، بما يحقق مقتضيات العدالة الناجزة وحسن تطبيق القانون.

وقد حرصت الجهات المعنية، منذ بدء تطبيق منظومة العقوبات البديلة، على تهيئة أنظمتها الإلكترونية والإجرائية بما يسمح بإنجاز دراسة الطلبات خلال هذه المدة كلما كانت الأوراق مكتملة والبيانات اللازمة متوافرة. غير أن هذه المدة لا تعني بالضرورة وجوب الانتهاء من جميع الطلبات خلالها في كل الأحوال، إذ قد تطرأ ظروف موضوعية أو إجرائية تستدعي تجاوزها دون أن يشكل ذلك مخالفة شكلية أو قانونية.

ومن بين الحالات التي قد تستدعي امتداد مدة الدراسة، الحاجة إلى تدقيق الالتزامات المالية أو التثبت من حقوق المتضررين، أو انتظار تقارير اللجان الطبية المختصة لتقييم الحالات الصحية أو النفسية للمحكوم عليه، أو استكمال تقارير اجتماعية أو مستندات لازمة لتقدير مدى ملاءمة الاستبدال.

كما قد يرجع التأخير في بعض الحالات إلى المحكوم عليه أو كفيله، متى طُلب منهما تقديم مستندات أو بيانات لازمة لاستكمال دراسة الملف ولم يتم تقديمها في الوقت المناسب.

وعليه، فإن مدة الثلاثة أيام عمل تمثل إطاراً تنظيمياً مستهدفاً لإنجاز الطلبات، وليست قيداً مطلقاً يحول دون استكمال الدراسة متى اقتضت مصلحة العدالة أو طبيعة الحالة مزيداً من التحقق أو استيفاء البيانات.

عند بحث طلب استبدال العقوبة، كيف تنظر النيابة العامة إلى شرط حسن السيرة والسلوك؟ وما العوامل التي تؤخذ في الاعتبار قبل إبداء الرأي القانوني؟

- إن الجهة المعنية بتقييم السلوك وإعداد التقارير الانضباطية للمحكوم عليه هي الإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة بوزارة الداخلية. وهذا التقييم يعتمد بصورة مباشرة وشاملة على المحكوم عليه ذاته ورغبته وإرادته الحرة لتقويم سلوكه وتصحيح مساره. وتسانده في ذلك برامج إصلاحية نوعية صُممت لتقويمه وإصلاحه، وعلى رأسها برنامج السجون المفتوحة؛ وهو برنامج تأهيلي وتدريبي متطور ومكثف يركز على التدريب النفسي والاجتماعي والمعرفي والمهني، ويتم تنفيذه لتطوير المهارات، والوعي القانوني والصحي، وصولاً إلى اتخاذ القرارات الحياتية السليمة وتصميم السيرة الذاتية واجتياز المقابلات، وذلك بالاعتماد على معايير تقييم واضحة تقيس مهارة المستفيد وعمله، ومدى وعيه.

وتستند هذه المنظومة بأكملها إلى مقابلات تصنيفية دقيقة تدرس الجوانب النفسية والاجتماعية والتاريخ الإجرامي للنزيل لضمان نجاح تأهيله. وفي هذا المسار، تُعد تقارير الإدارة العامة للإصلاح والتأهيل ركيزة أساسية، حيث تعكس مدى التزام النزيل بالبرامج العلاجية والمهنية داخل مراكز الإصلاح، مما يشكل مؤشراً حيوياً يعتمد عليه في التقييم النهائي.

وفي النهاية، فإن رأي النيابة العامة، بالتشارك والتعاون مع باقي الجهات، ينصب على التحقق من جدية التقويم لضمان عدم وجود خطر على الأمن العام؛ وعليه متى اجتاز الشخص هذه المعايير، تعززها النيابة العامة برأيها القانوني، ويبقى القرار النهائي لقاضي تنفيذ العقاب.

اشترطت المادة (13) من قانون العقوبات والتدابير البديلة، عند طلب استبدال العقوبة، أن يكون المحكوم عليه قد أدى الالتزامات المالية المحكوم بها عليه من المحكمة الجنائية، ما لم يكن الوفاء بها مستحيلاً عليه. فما آلية التحقق من استيفاء هذا الشرط؟ وما الجهة المختصة بإثبات الوفاء أو الإعسار؟ وكيف يتم التعامل مع حالات الإعسار؟

- تولي النيابة العامة أهمية خاصة للتحقق من تنفيذ الالتزامات المالية المحكوم بها، لما يمثله ذلك من ضمانة لحماية المال العام وحقوق المتضررين، ولمنع استخدام طلبات استبدال العقوبة كوسيلة للتهرب من الوفاء بالمبالغ المستحقة.

ويتم إثبات الإعسار من خلال محاكم التنفيذ المدنية المختصة، كما تستعين النيابة العامة في هذا الشأن بما تتيحه القوانين ذات الصلة، وفي مقدمتها قانون المرافعات المدنية والتجارية وقانون التنفيذ في المواد المدنية والتجارية، من أدوات وإجراءات مناسبة للتدقيق المالي والتحري عن الذمة المالية للمحكوم عليه، بما يكفل التحقق من حقيقة مركزه المالي ومدى قدرته على السداد.

وتجدر الإشارة إلى أنه إذا ثبت إعسار المحكوم عليه، فإن ذلك لا يحول بذاته دون نظر طلب استبدال العقوبة، متى توافرت باقي الشروط، وذلك اتساقًا مع البعد الإنساني الذي راعاه المشرع، بعدم حرمان المحكوم عليه المعسر من الاستفادة من نظام العقوبات البديلة لمجرد عجزه عن الوفاء.

غير أن ثبوت الإعسار لا يعني سقوط الالتزامات المالية المحكوم بها، ولا يؤدي إلى انقضائها، وإنما يظل الالتزام قائمًا وخاضعًا للمتابعة وفقًا لأحكام قانون التنفيذ المدني، بحيث تبقى إمكانية المطالبة به قائمة متى تحسنت الحالة المالية للمحكوم عليه أو ظهرت له أموال يمكن التنفيذ عليها.

وبذلك يتحقق التوازن بين عدم إقصاء المعسر من الاستفادة من العقوبات البديلة متى استوفى شروطها، وبين ضمان بقاء حقوق الدولة والمتضررين محل حماية ومتابعة إلى حين إمكان استيفائها.

ما الغاية من طلب إرفاق المؤهلات العلمية أو المهنية لمقدم طلب استبدال العقوبة؟ وهل يؤثر ذلك في فرص الموافقة على الطلب؟

- إن طلب إرفاق المؤهلات العلمية أو المهنية لا يعني ربط الموافقة على طلب الاستبدال بالمستوى التعليمي للمحكوم عليه، وإنما يهدف إلى توجيه كل مستفيد للجهة الأكثر مواءمة لقدراته الفنية أو الحرفية عند تطبيق عقوبة العمل في خدمة المجتمع.

فقد راعى المشرع أن يكون العمل في خدمة المجتمع متوافقًا، قدر الإمكان، مع مهنة المحكوم عليه أو مؤهلاته أو خبراته، بما يحقق أكبر فائدة للمجتمع، ويعزز في الوقت ذاته الأثر التأهيلي والإصلاحي للعقوبة البديلة.

وعليه، فإن المؤهلات تعد عنصراً مساعداً في حسن التوجيه والتنفيذ، وليست شرطاً لقبول طلب الاستبدال أو سببًا للتمييز بين المحكوم عليهم.كيف تُحدد مدة تنفيذ العقوبة البديلة؟ وهل توجد ضوابط تحكم المعادلة بين مدة عقوبة الحبس الأصلية ومدة العقوبة البديلة؟ وكيف تحتسب المدة في حال تعدد العقوبات؟

- الأصل أن تكون مدة العقوبة البديلة مساوية لمدة العقوبة الأصلية المقضي بها، أو للمدة المتبقية منها، بحسب الأحوال، وذلك وفقًا لما تقرره القوانين والقرارات المنظمة للعقوبات البديلة.

وفيما يتعلق بعقوبة العمل في خدمة المجتمع، يراعى ألا تزيد ساعات العمل اليومية على ثماني ساعات، وفقًا للضوابط المقررة قانونًا. كما يتم احتساب مدة التنفيذ وفقاً للدليل الإرشادي لتنفيذ العقوبات البديلة، بحيث تعادل كل خمس ساعات عمل يومًا واحدًا من مدة العقوبة الأصلية، بما يضمن احتساب المدة بصورة دقيقة ومنضبطة.

أما باقي العقوبات البديلة التي تقاس بطبيعتها بالمدة الزمنية، فيتم احتسابها بالأيام بحسب مدة العقوبة الأصلية أو المدة المتبقية منها. وبالنسبة إلى برامج التأهيل والتدريب، فتحدد مدتها وفقاً للبرنامج المعتمد وجدوله الزمني، وما يتضمنه من محاضرات أو أنشطة أو زيارات ميدانية، دون الاقتصار على احتسابها بعدد ساعات مجردة.

وفي حال كان المحكوم عليه قد نفذ جزءاً من العقوبة الأصلية داخل المؤسسة الإصلاحية، ثم تقرر استبدال ما تبقى منها، فإن احتساب مدة العقوبة البديلة يكون على أساس المدة المتبقية فقط من العقوبة الأصلية، ضمانًا لمطابقة التنفيذ لمنطوق الحكم وما تم تنفيذه فعلياً.

أما في حال تعدد العقوبات البديلة المفروضة على المحكوم عليه في الوقت ذاته، فيتم إعداد الجداول التنفيذية والرقابية اللازمة وتنسيقها بما يكفل تنفيذها على نحو منظم خلال المدة المقررة، مع مراعاة طبيعة كل عقوبة ومتطلبات تنفيذها.

ما هو الدور الفعلي للنيابة العامة في الإشراف على تنفيذ العقوبات البديلة وضبط مسارها العملي؟- تؤدي النيابة العامة دوراً محورياً كضمانة قضائية لضمان الجدية والالتزام في تنفيذ العقوبات البديلة، وتتلخص أبرز مهامها في النقاط التالية:

الرقابة والإشراف: تتولى النيابة العامة الإشراف القضائي على تنفيذ العقوبات البديلة للتأكد من التزام المحكوم عليه بالتدابير المقررة، وهو دور يتجلى حجمه في الإحصائيات الرسمية؛ حيث أشرفت النيابة على تنفيذ 15,505 عقوبات بديلة استفاد منها 10,233 شخصاً حتى نهاية عام 2025.

متابعة التقارير: تستلم النيابة العامة تقارير دورية من الجهة المختصة (الإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة) حول مدى التزام المحكوم عليه، مما يتيح لها مراقبة سير تنفيذ العقوبة عن كثب.

اتخاذ الإجراءات القانونية عند المخالفة: في حال إخلال المحكوم عليه بالشروط أو التدابير المفروضة، تملك النيابة العامة صلاحية اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، والتي قد تصل إلى طلب استبدال العقوبة البديلة بالعقوبة الأصلية المقيدة للحرية.ضمان سلامة التنفيذ: تعمل النيابة كحلقة وصل تضمن أن تظل العقوبة البديلة وسيلة فعالة للإصلاح والتأهيل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هيبة القانون وحماية المجتمع.

ملخص القول، النيابة العامة هي «صمام الأمان» في نظام العقوبات البديلة؛ فهي لا تكتفي بفرض العقوبة، بل تتابع تنفيذها لضمان تحقيق غايتها الإصلاحية، وتتدخل بحزم في حال عدم الالتزام، وقد أسهم تراكم الخبرة العملية والإجرائية في هذا المجال، والتي تُوِّجت بتنفيذ أكثر من 15 ألف حالة حتى نهاية عام 2025، في تعزيز فاعلية قانون العقوبات والتدابير البديلة، وترسيخ قدرته على تحقيق أهدافه الوطنية في الإصلاح وإعادة الإدماج وخدمة المجتمع.

ما هي الإجراءات المتبعة في حال إخلال المحكوم عليه بشروط العقوبة البديلة؟- يمثل التزام المحكوم عليه بشروط العقوبة البديلة محل متابعة دقيقة من نيابة التنفيذ، وفي هذا الإطار، تتابع نيابة التنفيذ التقارير الدورية الواردة من الإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة بشأن سلوك المحكوم عليه، ومدى التزامه بالبرامج التأهيلية أو التدابير المفروضة عليه، كما تنظر فيما قد يرد إليها من تقارير أو التماسات من المحكوم عليه أو أسرته أو المجني عليه، متى كان لها صلة بظروف التنفيذ أو أسباب عدم الالتزام.

ولا يكون التعامل مع الإخلال آلياً أو قائماً على الإلغاء الفوري للعقوبة البديلة، وإنما تقوم نيابة التنفيذ بدراسة أسباب الإخلال وظروفه، وقد تستمع إلى المحكوم عليه أو الأطراف ذات الصلة للوقوف على حقيقة الموقف. فإذا تبين أن عدم الالتزام يرجع إلى عذر جدي أو صعوبة عملية، كظروف المواصلات أو ظروف العمل أو ظروف اجتماعية طارئة، تعمل النيابة على تذليل تلك الصعوبات بالتنسيق مع الجهات المختصة، بما يساعد المحكوم عليه على الاستمرار في تنفيذ العقوبة البديلة وتحقيق غايتها الإصلاحية.

وفي ختام هذه العملية التقييمية، تُرفع كافة البيانات والتقارير المتعلقة بسلوك المحكوم عليه ومستوى امتثاله الفعلي إلى قاضي تنفيذ العقاب ليصدر قراره النهائي بشأن استمرار العقوبة البديلة، بناءً على رؤية قضائية شاملة.

وبذلك، تقوم آلية التعامل مع الإخلال على التوازن بين تمكين المحكوم عليه من تجاوز الصعوبات الحقيقية التي تعترض التنفيذ، وبين ضمان جدية الالتزام بشروط العقوبة البديلة وحماية الغاية الإصلاحية.

ما هي الأسباب التي تؤدي إلى إلغاء العقوبة البديلة؟ وهل تم رصد حالات لإلغاء العقوبات البديلة منذ تطبيق القانون؟

- تُلغى العقوبة البديلة فوراً عند ارتكاب المستفيد لجريمة عمدية جديدة أثناء التنفيذ، أو عند إخلاله الجوهري بشروط التنفيذ كالعبث بنظام المراقبة أو التخلف غير المبرر عن أداء العمل في خدمة المجتمع أو حضور برامج التأهيل والتدريب.

وقد تم بالفعل رصد حالات ألغيت فيها العقوبة البديلة وأعيد المحكوم عليهم إلى المؤسسة الإصلاحية لتنفيذ العقوبة الأصلية، وذلك متى ثبت عدم جدية الالتزام أو الإخلال الجوهري بمتطلبات التنفيذ.

ومن أبرز الأمثلة في هذا الشأن ما تقرر مؤخراً من إلغاء العقوبة البديلة لثلاثة من المحكوم عليهم وإعادتهم لتنفيذ عقوبة الحبس الأصلية، ومدتها ثلاثة أشهر، بعد ثبوت امتناعهم المتعمد عن الإفصاح المالي في ملفات التنفيذ المدنية المفتوحة بحقهم، وهو ما شكل تهرباً من أداء الحقوق ومساسًا بفاعلية إجراءات التنفيذ.

وكانت المحكمة قد قضت بمعاقبة كل منهم بالحبس لمدة ثلاثة أشهر، مع استبدال العقوبة الأصلية بعقوبة بديلة تمثلت في إصلاح الضرر، وذلك بناءً على مبادرتهم بالإفصاح. إلا أنهم أخلوا لاحقاً بمقتضيات هذا التدبير وامتنعوا عن الإفصاح، الأمر الذي استوجب إلغاء العقوبة البديلة وإعادة تنفيذ العقوبة الأصلية.

ما هي الآليات التي تضمنها النيابة العامة لصون حقوق المجني عليهم عند استبدال العقوبة؟ وهل يتم إخطارهم بقرارات الاستبدال؟- إن النيابة العامة، بصفتها الأمينة على الدعوى العمومية والممثلة للمجتمع في الحفاظ عليه وصون أمنه واستقراره، تضع حقوق المجني عليهم وحماية المجتمع في مقدمة أولوياتها.

ونؤكد بحسم أنه لن يتم إخلاء سبيل أو استبدال عقوبة أي شخص يشكل خطراً أو تهديداً على أمن وسلامة المجني عليه، كما يتم فعلياً إخطار المجني عليهم بقرارات الإفراج والاستبدال فور صدورها. وفي عقوبة إصلاح الضرر الناشئ عن الجريمة، تضطلع الجهات المختصة بالتنسيق المباشر والمتابعة الحثيثة لإلزام المحكوم عليه بإزالة كافة آثار الضرر الذي تسبب فيه لضمان استرداد المجني عليه لحقوقه وجبر ضرره بالكامل. ولضمان حماية أمنية كاملة للمجني عليهم، نلجأ بالتوازي إلى تطبيق تدابير وقائية صارمة يتيحها القانون، مثل إلزام المحكوم عليه بالتعهد بعدم التعرض أو الاتصال بالمجني عليه، أو فرض حظر ارتياد أماكن محددة، مما يوفر ضمانة رقابية متكاملة تحمي أمن الضحايا بشكل مطلق.

ما هي أبرز التحديات التي واجهت النيابة العامة في تطبيق أحكام قانون العقوبات البديلة؟ وكيف تم التعامل معها؟- رافقت المراحل الأولى لتطبيق قانون العقوبات البديلة جملة من التحديات التأسيسية، تمثلت في تهيئة الأنظمة الفنية والإلكترونية، وتدريب الكوادر المختصة، ووضع الآليات العملية لتصنيف الحالات والجرائم، وحصر أعداد المستفيدين، إلى جانب بناء شبكة من الشركاء من الجهات الحكومية والوزارات ومؤسسات المجتمع القادرة على المساهمة في تنفيذ العقوبات البديلة وبرامج التأهيل.

وقد تم تجاوز هذه التحديات بنجاح من خلال التكامل المؤسسي والتنسيق المستمر بين النيابة العامة والإدارة العامة لتنفيذ الأحكام والعقوبات البديلة، ووزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، وبدعم ومتابعة من المجلس الأعلى للقضاء، بما أسهم في تبسيط الإجراءات القضائية وتطوير آليات العمل وضمان فاعلية التطبيق.

وفي الوقت الراهن، ومع تراكم الخبرات العلمية والعملية في مجال العقوبات البديلة، أصبحت مملكة البحرين تمتلك تجربة مؤسسية رائدة، وأضحت مرجعًا لتبادل الخبرات ونقل أفضل الممارسات في هذا المجال، حيث يشارك المختصون فيها بتقديم خبراتهم لعدد من الدول، بما يعكس المكانة التي بلغتها المملكة بوصفها دار خبرة في مجال العقوبات البديلة.

كيف تقيّم النيابة العامة التجربة البحرينية في تطبيق العقوبات البديلة مقارنة بالتجارب الإقليمية والدولية؟ وهل تم الاستفادة من خبرات أو ممارسات دولية في هذا المجال؟

- تمثل التجربة البحرينية في تطبيق العقوبات البديلة تجربة رائدة ذات بعد إنساني وحضاري، تعكس الرؤية الإصلاحية لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم، وما تقوم عليه من حرص على صون كرامة الإنسان وحقوقه، وتعزيز مفهوم العدالة القائمة على الإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تكن نقلاً مجرداً لتجارب أخرى، وإنما جاءت بصياغة وطنية تراعي خصوصية المجتمع البحريني وقيمه وثقافته ومبادئه الدينية والاجتماعية، مع الاستفادة في الوقت ذاته من أفضل الممارسات والتجارب المقارنة في مجال السياسة الجنائية الحديثة والعقوبات غير السالبة للحرية.

وتضطلع النيابة العامة بدور محوري في إنجاح هذه المنظومة وتطويرها، من خلال متابعة التطبيق العملي، وتقييم نتائجه، والتنسيق المستمر مع الجهات المعنية، بما يكفل تحقيق الغاية من العقوبات البديلة في إصلاح المحكوم عليه وتأهيله، وحماية المجتمع، والحد من آثار العقوبات السالبة للحرية متى توافرت الشروط القانونية لذلك.

وقد أسهم هذا النهج في جعل مملكة البحرين نموذجًا متقدمًا على مستوى المنطقة في مجال العقوبات البديلة، سواء من حيث الإطار التشريعي أو آليات التنفيذ أو التكامل المؤسسي بين الجهات المعنية، بما يعزز مكانتها في مجالات التطوير العدلي والسياسة الجنائية المعاصرة.