مها الدخيل

لم تعد الشكوى في مجتمعاتنا مجرد رد فعل عابر على مشكلة طارئة، بل تحولت عند بعض الناس إلى أسلوب حياة يومي، فهناك من يبدأ يومه بالتذمر من الطقس، ثم ينتقل إلى الأسعار، فالازدحام، فالعمل، فالخدمات، وحتى العلاقات الاجتماعية. وكأن عدسة النظر إلى الحياة أصبحت لا تلتقط إلا النقص، بينما تغفل كثيراً من النعم التي نعيشها كل يوم.

ولا شك أن من حق الإنسان أن يطالب بتحسين الخدمات، أو ينتقد الأخطاء، فالمجتمعات لا تتطور إلا بالنقد المسؤول. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التذمر عادةً جماعية، ويصبح التشاؤم هو اللغة السائدة، حتى يفقد الإنسان قدرته على رؤية الجوانب الإيجابية، ويتحول المجتمع إلى بيئة تُثبط المبادرات، وتستهلك الطاقة في الشكوى أكثر من البحث عن الحلول.

كما أن الإسلام نهى عن الاعتراض على أقدار الله أو الجحود بالنعم، فالقرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى حقيقة مؤثرة حين يقول تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [سورة إبراهيم]. إنها رسالة تُذكّر الإنسان بأن ما يملكه من نعم يفوق بكثير ما ينقصه، لكن كثرة الاعتياد قد تجعلنا لا نراها.

ويربط القرآن الكريم بين الامتنان واستمرار الخير، فيقول سبحانه: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم]. وهذه الزيادة لا تقتصر على المال أو الرزق، بل تشمل الطمأنينة، والبركة، وراحة القلب، والعلاقات الإنسانية. فالامتنان ليس مجرد خلقٍ جميل، بل هو أسلوب يشكل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى مجتمعه.

ولعل وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تضخيم ثقافة الشكوى، إذ أصبحت الأخبار السلبية والانتقادات الحادة تحظى بتفاعل أكبر من قصص النجاح أو المبادرات الإيجابية. ومع مرور الوقت قد يظن الإنسان أن المجتمع بأكمله يعيش في دائرة من الفشل، بينما الواقع يحمل كثيراً من النجاحات التي لا تجد من يسلط عليها الضوء.

ومن المهم أن نفرق بين النقد البنّاء والشكوى المستمرة، فالنقد البنّاء يحدد المشكلة ويقترح حلاً، ويهدف إلى الإصلاح، أما الشكوى الدائمة، فتكتفي بتكرار السلبيات، وتخلق حالة من الإحباط الجماعي، دون أن تضيف شيئاً إلى الواقع، الأول مسؤولية اجتماعية، والثاني قد يتحول إلى ثقافة تُضعف الأمل، وتقتل روح المبادرة.

إننا اليوم بحاجة إلى إعادة إحياء ثقافة الامتنان داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، فالأشخاص الذين يتعلمون شكر النعم وتقدير الجهود والنظر إلى الإيجابيات، ينشؤون أكثر توازناً وقدرة على مواجهة الحياة. كما أن المجتمعات التي تجمع بين المطالبة بالإصلاح والاعتراف بالإنجازات، تكون أكثر قدرة على التقدم من المجتمعات التي لا ترى إلا العيوب.

ختاماً، يجب علينا تحقيق التوازن في أن نُصلح الخلل، دون أن نجحد النعم، وأن نطالب بالأفضل، دون أن نفقد الرضا، وأن ندرك أن الامتنان ليس نقيض الطموح، بل هو الوقود الذي يمنح الإنسان طاقةً لمواصلة البناء، فحين يلتقي الرضا بالله مع السعي للإصلاح، تتشكل مجتمعات أكثر استقراراً، وأكثر تفاؤلاً، وأكثر قدرة على صناعة مستقبل أفضل.

باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال