في هذه الأيام، يكفي أن تجلس في مجلس أو تدخل مجموعة «واتساب» حتى تسمع السؤال نفسه يتكرر: «وين بتسافرون؟». لا أحد يسأل أولاً عن الميزانية، ولا عن التزامات البيت، ولا عن حرارة الوجهة التي اختارتها الأسرة. المهم أن يكون هناك اسم دولة جاهز للإجابة، وتاريخ سفر، وصورة للحقيبة قبل الوصول إلى المطار.
تجد الأب يقلب أسعار التذاكر في هاتفه أكثر مما يقلب فواتير البيت، والأم تبحث عن فندق مناسب، والأبناء ينتظرون اسم الدولة قبل أن يسألوا عن عدد الأيام. وفي النهاية، قد يتحول الأمر كله إلى رحلة لا يعرف أحد بالضبط هل يحتاجها فعلاً، أم أنه فقط لا يريد أن يقول للناس: (هذه السنة ما سافرنا).
لا أحد ضد السفر، ولا أحد ينكر أن الإنسان يحتاج إلى تغيير جو، خصوصاً في صيف البحرين الطويل. وهناك أسر تدخر طوال العام من أجل إجازتها، وأخرى تسافر لزيارة أقارب أو تختار مكاناً يناسب ميزانيتها. هذا سفر مفهوم، وممتع، ولا يحتاج إلى تبرير.
لكن هناك نوعاً آخر من السفر، سفر لا يبدأ بالرغبة، بل بالسؤال الذي يلاحق الناس كل صيف. سفر سببه أن العائلة لا تريد أن تبدو وكأنها الوحيدة التي بقيت في البحرين. وكأن الإجازة لا تُحسب إلا إذا مرّت عبر المطار، وكأن من لم ينشر صورة من بوابة المغادرة لم يأخذ إجازة أصلاً.
هنا لا يهرب البعض من الحر فقط، بل من فكرة مزعجة: ماذا سيقول الناس؟ وربما من شعور لا يعترفون به، بأنهم أقل من غيرهم إذا لم تكن لديهم صور في شوارع أوروبا أو أمام مبنى قديم أو كوب قهوة لا يشربه أحد حتى يبرد، لأن التصوير أهم.
وبهذا الشكل، لا تسافر بعض الأسر إلى بلد بقدر ما تسافر إلى ألبوم صور. تبدأ الرحلة بالحجز، ثم حقائب جديدة، ثم مطار، ثم فنادق ومطاعم ومشاوير طويلة، وتنتهي بفواتير لا تظهر في «الستوري». أما السؤال الذي لا يظهر في الصور فهو: هل استرحنا فعلاً؟
والمفارقة أن كثيرين يهربون من لهيب صيف البحرين إلى أوروبا، في وقت تعلن فيه بعض المدن الأوروبية عن موجات حر وتحذيرات للسكان والسياح من الخروج في الظهيرة والمشي الطويل والإجهاد الحراري. ومع ذلك، يحزم البعض حقائبه ويقول بثقة: «هناك الجو ألطف».ألطف من ماذا؟ من حرارة البحرين، أم من حرارة الفاتورة؟
ففي بعض الرحلات، لا يكون الفرق بين هنا وهناك كبيراً. هنا شمس قاسية، وهناك شمس قاسية أيضاً، لكن هناك يضاف إليها زحام، ومشي طويل، وبحث عن مطعم يناسب العائلة، وطفل تعب، ووقت يضيع في قراءة قوائم الأسعار وتحويل العملة. ثم يعود الجميع إلى البحرين، وقد يكتشفون أن المشكلة لم تكن في الشمس، بل في الفكرة التي أقنعتهم بأن الراحة لا تكون إلا خلف ختم في جواز السفر.
ربما ليست المشكلة في السفر، بل في أن يتحول إلى واجب اجتماعي. أن يصبح رب الأسرة مسؤولاً عن إنقاذ الصورة الصيفية للعائلة، حتى لو دفع ثمنها بعد العودة بأشهر. الإجازة التي تترك وراءها أقساطاً وقلقاً ليست دائماً إجازة، حتى لو كانت صورها جميلة.
وبصراحة، ليس كل من بقي في البحرين خسر إجازته، وليس كل من سافر ربح راحته. فبعض الناس يعودون من أوروبا بذكريات جميلة، وبعضهم يعودون بصداع، وحروق شمس، وصور كثيرة، وقسط جديد ينتظرهم في نهاية الشهر.