سماهر سيف اليزل

في تجسيد جديد للروابط الحضارية العميقة التي جمعت مملكة البحرين «دلمون القديمة» ودولة الإمارات العربية المتحدة «ماجان القديمة»، نظّمت هيئة البحرين للثقافة والآثار، بالتعاون مع متحف زايد الوطني، عرضاً تقديمياً بعنوان «متحف زايد الوطني: احتفاء بالروابط العريقة بين ماجان ودلمون»، تخلله عرض الفيلم الوثائقي «قارب من العصر البرونزي يبحر مجدداً»، والذي يوثق رحلة إعادة بناء أحد أقدم القوارب البحرية التي عرفتها المنطقة قبل أكثر من أربعة آلاف عام.

وأكدت مدير إدارة المتاحف بهيئة البحرين للثقافة والآثار هيا السادة أن هذه الفعالية تُعدّ من أبرز الفعاليات الثقافية التي استضافتها الهيئة خلال العام الجاري، لما تمثله من انطلاقة فعلية لشراكة استراتيجية مع متحف زايد الوطني، في إطار مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين.

وأوضحت السادة أن متحف زايد الوطني يستضيف حالياً 19 قطعة أثرية من مقتنيات متحف البحرين الوطني تمثل حضارتي دلمون وتايلوس لمدة خمس سنوات، مشيرة إلى أن التعاون لا يقتصر على تبادل المعروضات، بل يمتد إلى تنفيذ برامج تنقيبية مشتركة ومشروعات بحثية متخصصة لدراسة الروابط التاريخية والأثرية بين حضارتي دلمون وماجان.

وأضافت أن هذه المبادرات تمثل بداية لمسيرة تعاون طويلة الأمد بين المؤسستين، بما يسهم في إثراء البحث العلمي وإبراز الإرث الحضاري المشترك لدول المنطقة.

من جانبها، أكدت أمين المتحف المساعد في متحف زايد الوطني عائشة المنصوري أن مشروع «قارب ماجان» يمثل أحد أبرز

المشاريع البحثية التي توثق العلاقات التاريخية بين حضارتي ماجان ودلمون، موضحة أنه ثمرة تعاون بين جامعات ومؤسسات ثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وقالت إن المشروع لا يقتصر على إعادة تصنيع قارب تاريخي، بل يجيب عن أحد أهم الأسئلة التي واجهت الباحثين لسنوات، وهو الكيفية التي كانت تنتقل بها البضائع بين حضارات الخليج في العصر البرونزي، بعدما كانت الأدلة الأثرية تقتصر على السلع المتبادلة دون معرفة وسائل النقل المستخدمة آنذاك.

وأضافت أن إعادة بناء القارب والإبحار به أعادت رسم صورة طرق التجارة البحرية القديمة، وأثبتت وجود شبكة علاقات اقتصادية واستراتيجية متقدمة بين دلمون وماجان قبل أكثر من أربعة آلاف عام، مؤكدة أن الحضارات الخليجية امتلكت تقنيات بحرية متطورة وقدرات هندسية متقدمة، خلافاً للصورة النمطية التي تحصر المجتمعات القديمة في الصيد والتجمعات البسيطة.

وأشارت إلى أن نجاح المشروع يقدّم دليلاً عملياً على مستوى التطور التقني الذي وصلت إليه حضارات المنطقة، من خلال بناء سفينة متكاملة باستخدام المواد الطبيعية ووفق الأساليب التقليدية التي كانت مستخدمة في ذلك العصر.

بدورها، أوضحت رئيسة قسم العلوم الاجتماعية بجامعة البحرين الدكتورة أحلام القاسمي، أن العرض جاء ثمرة تعاون بين جامعة البحرين ومتحف زايد الوطني، ويعكس تكامل الجهود الأكاديمية والثقافية لإحياء صفحات مهمة من تاريخ المنطقة.

وقالت إن المشروع يُتيح فهماً عملياً لكيفية صناعة أولى القوارب البحرية قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، باستخدام مواد طبيعية ومن دون أي أدوات أو مسامير معدنية، وهو ما يمثل مرحلة مفصلية في تطور الحضارة الإنسانية، بعدما فرضت الحاجة إلى نقل البضائع والتواصل بين المجتمعات ابتكار وسائل بحرية متقدمة.

وأضافت أن المكتشفات الأثرية والحفريات تؤكد وجود علاقات وثيقة بين حضارات دلمون وتايلوس وماجان، فيما جاء مشروع «قارب ماجان» ليترجم هذه العلاقات التاريخية إلى تجربة علمية واقعية توثق طبيعة الترابط الحضاري بين هذه المراكز التاريخية المهمة.

من جهتها، أكدت عميدة كلية الآداب بجامعة البحرين د. ضياء الكعبي أن الفعالية تمثل حدثاً ثقافياً مهماً يجسد عمق الروابط التاريخية والأثرية بين حضارتي دلمون وماجان، ويعيد إحياء ذاكرة الخليج الحضارية بأسلوب علمي يعتمد على الأدلة الأثرية والدراسات الأكاديمية.

وأوضحت أن مشروع «قارب ماجان» استغرق تنفيذه أربع سنوات، بمشاركة باحثين وخبراء وطلبة من جامعة زايد ومتحف زايد الوطني، حيث عمل الفريق على إعادة بناء القارب باستخدام المواد الطبيعية نفسها التي استخدمها الإنسان قبل آلاف السنين، في تجربة تحاكي تفاصيل الماضي بدقة علمية.

وأضافت أن إبحار القارب في مياه الخليج العربي أعاد إحياء واحدة من أهم محطات التاريخ البحري في المنطقة، مؤكدة أن ما تحقق يعكس قدرة الكفاءات الإماراتية الشابة على توظيف المعرفة الأثرية والأنثروبولوجية والتاريخية لإحياء ذاكرة حضارية عريقة، بصورة تجمع بين البحث العلمي والحفاظ على التراث الثقافي، وتعزز الوعي بالأهمية التاريخية لحضارات الخليج ودورها في نشأة التجارة البحرية العالمية.