نعيش في عصر يولي أهمية لقياس كل شيء. قياس الإنتاجية، قياس الكفاءة، قياس التطوّر، قياس الكتلة العضلية في الجسم، عدد الخطوات، عدد الساعات التي ننامها نوم عميق، إلخ. ولتحقيق ذلك ابتكرنا الأجهزة الدقيقة، وأنظمة الرصد والمؤشرات وغيرها. كل هذا مهم جدًا في حياتنا، وهو الذي أسهم في التطوّر الذي نعيشه اليوم.
التحدي الذي تسلّل مع كل هذا الاهتمام بالقياس هو انتقالنا إلى مرحلة الهوس بالأرقام، والهوس بالكثرة، وتخلينا شيئا فشيئا عن الروح. فأصبحنا نتنافس على المستوى الفردي في عدد الشهادات وعدد البلدان التي زرناها، وعدد الخطوات التي مشيناها، وعدد الأمور التي نستطيع أن نعملها لتوفير الوقت، وابتكرنا موسوعة للأرقام القياسية، وحتى الدين حولناه إلى عدد مرات التسبيح وعدد مرات الحوقلة وهكذا فقدنا روح ومعنى الحياة.
الهوس بالقياس جعلنا نغفل الاهتمام بروح الفريق في العمل، بل تحوّل قياس الإنتاجية إلى تنافس أوغر الصدور، وبث بينها الحسد والرغبة في الصعود حتى لو على حساب الآخرين.
انشغلنا بعدد التسبيحات، وغفلنا صدق ألسنتنا، وعفونا عمن أخطأ في حقنا، وحبنا الخير للآخرين.
شغلنا الاهتمام بنوعية مدارس أطفالنا وعدد الأنشطة التي يقومون بها، ونسينا أنَّ ننتبه إلى مدى حضورنا مع أطفالنا واهتمامنا بهم هم لا بما حققوا من إنجازات أو التزموا بسلوك، فبقت قلوبهم عطشى لمحبة غير مشروطة.
القياس نعمة حين يكون خادمًا للمعنى في حياتنا، ونقمة حين يصبح هو الغاية. ليست المشكلة في أن نعدّ خطواتنا، بل في أن ننسى إلى أين نمضي. وليست المشكلة في أن نحصي تسبيحاتنا، بل في أن يغيب أثرها عن قلوبنا وسلوكنا. الحياة لا تُختزل في رقم، ولا يُختصر الإنسان في مؤشر.
فلنستخدم الأرقام لنضبط إيقاع حياتنا، لكن لنجعل قلوبنا هي البوصلة. قد نكمل لائحة المهام اليومية، ولكن هناك شيئاً في داخلنا لم يكتمل بعد، وهو سقي أرواحنا بأمور صغيرة مثل: تصفية النية، كلمة حانية نقولها لأحد أفراد أسرتنا، كلمة تقدير لزميلنا، امتنان لخالقنا على كوب الشاي الدافئ، شكر لشخص ساعدنا، تعامل بلطف مع أنفسنا. وحين نُحسن سقي أرواحنا، ستنمو أرقامنا بهدوء... دون أن تسرق منا حياتنا.