- - صواريخ ومسيّرات إيران وهي تعتدي علينا أكدت لنا أن الأمن الخليجي غير قابل للتجزئة
- - تكامل الدفاعات الجوية وتوحيد منظومات القيادة والإنذار المبكر ضرورة بين دول «التعاون»
- - توزيع الأدوار والقدرات بين الجيوش الخليجية يحولها لقوة ردع إقليمية واحدة
- - درع الجزيرة قوة تنسيقية وأساس قوي لـ»الناتو الخليجي»
- - البحرية الخليجية ستكون قوة ضاربة تركز على الفرقاطات والغواصات والزوارق السريعة
- - أسطول مقاتلات خليجي موحّد يضاهي في تكلفته التراكمية القوى العظمى
- الحربي: العالم سيشهد بزوغ قطب دفاعي في قلب الشرق الأوسط
- «الناتو الخليجي» ينقل دول المجلس إلى الإنتاج الأمني
- العجمي: طهران كشّرت عن أنيابها وخلعت كل الأقنعة عن وجهها
- الدفاع الكونفدرالي الخليجي بات مسألة وجودية بعد العدوان الإيراني
- الكعبي: «الناتو الخليجي» ممكن بعد أن تضع دولنا الست إيران في خانة «العدو»
- الهيل: يجب أن نصنع سلاحنا بأيدينا فنحن لسنا أقل من أحد
- الاتحاد الكونفدرالي الخليجي ضرورة لمواجهة الأعداء بعقل وإرادة واحدة
- باعبود: الأساس القانوني للدفاع الجماعي الخليجي موجود والمطلوب تفعيله
- أمن مضيق هرمز لم يعد مرهوناً بحسابات القوة التقليدية وحدها
أمام إحدى قمم مجلس التعاون التي استضافتها مملكة البحرين كان حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم يقف أمام إخوانه قادة المجلس ليؤكد أن حماية أمن المواطن الخليجي لا يمكن أن يتحقق إلا بالتماسك والاتحاد، وحين شنّ الحرس الثوري الإيراني عدوانه الآثم على دول مجلس التعاون الخليجي خلال الحرب الأخيرة، وقف رئيس هيئة الأركان الفريق الركن ذياب النعيمي خلال مؤتمر الحوار العسكري الاستراتيجي للحلفاء ليقدّم رؤية جديدة للعقيدة العسكرية تنطلق من «إدراك حجم التحديات الراهنة والمستقبلية» وصولاً إلى «صياغة حلول وتصورات استراتيجية متكاملة تلتقي فيها الإرادة الجماعية»، وهو ما فتح الباب على مصراعيه للحديث بين خبراء عسكريين وسياسيين حول نجاعة وأهمية تأسيس «ناتو خليجي» تضاهي قوته أعتى التحالفات العسكرية في العالم.
وبالطبع كل هذا يأتي بظل حقيقة رقمية تؤكد أن قوة هذا الناتو الخليجي حال تأسيسه، وفق أرقام تقديرية شاملة نُشرت عام 2023 في تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أكثر من 500 ألف عسكري من إجمالي القوات العاملة في جيوشها الوطنية، بالإضافة إلى 1,885 دبابة قتال رئيسية، وأكثر من 6,100 عربة مدرعة بمختلف أنواعها، و2,184 قطعة مدفعية، ونحو 1,000 طائرة بينها 827 مقاتلة، و105 مروحيات هجومية، بالإضافة إلى 216 قاذف دفاع جوي بعيد المدى على الأقل، و30 فرقاطة وكورفيتاً وقطعة سطح صاروخية رئيسية أو متوسطة، أما وفق ما هو متاح من إحصاءات أحدث نُشرت عام 2026 على موقعي Global Firepower وGlobalMilitary.net المتخصصين، فقد ارتفع عديد القوات النشطة إلى ما يقارب 398 ألف عسكري (يضاف إليها نحو 100 ألف في الحرس الوطني السعودي وحده)، فيما بلغ إجمالي الطائرات الحربية والنقل والمروحية نحو 2,130 طائرة من بينها 772 مقاتلة، مقابل نحو 1,960 دبابة قتال رئيسية، دون توفر بيانات مُحدَّثة بنفس الشمولية بعد لبقية فئات المدرعات والمدفعية والقطع البحرية.
وهكذا البحرين، ربما قبل الجميع، قرأت مكتوب الموت القادم من طهران من العنوان ومفاده أن «صواريخ ومسيّرات إيران وهي تعتدي علينا أكدت أن الأمن الخليجي غير قابل للتجزئة» فالجميع رأى بأم العين الجيوش الخليجية تسجل نجاحات باهرة في صد الصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي أسهم في إنقاذ مئات الأرواح البريئة من مواطنين ومقيمين، ومع هذه النجاحات بات الحديث عن «ناتو خليجي» والمطالبة به يتصدر أحاديث خبراء عسكريين وسياسيين وأمنيين أكد بعضهم لـ»الوطن» أن في لحظة ولادة «الناتو الخليجي» المعادلة في المنطقة ستتغير كلياً.
وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن كل دولة من دول المجلس الست، فإن معدل اعتراض الصواريخ الباليستية فقط تجاوز 90% على مستوى دول المجلس مجتمعة، وهي نسبة «مرتفعة جداً» كما يصفها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وهو مؤسسة بحثية غير حزبية مرموقة مقرها واشنطن العاصمة.
وتعرّضت دول الخليج العربي الست: البحرين، والسعودية، وقطر، والكويت، والإمارات، وعمان، بالإضافة إلى الأردن، ما يزيد على 7000 هجوم بالصواريخ والطائرات بدون طيار منذ 28 فبراير وحتى 28 يونيو، وفقاً لأرقام نشرها مركز «الخليج» للأبحاث الذي يتخذ من الرياض مقرًا له.
ومع نجاح الجيوش الخليجية في صد هذه الاعتداءات، يبرز سؤال استراتيجي شديد الإلحاح: هل يكفي التنسيق العسكري القائم لمواجهة تهديدات بهذا الحجم، أم أن اللحظة حانت للانتقال إلى صيغة دفاع جماعي أكثر صلابة تصل إلى مستوى «ناتو خليجي»، أو جيش موحد قادر على حماية المجال الجوي والبحري والبنية التحتية الحيوية لدول المجلس؟ لاسيما وأن الخليج يحتاج لتفعيل الردع المستقبلي.
ويرى خبراء تحدثوا لصحيفة «الوطن» أن المعادلة ستتغير كلياً حينما تنجح دول مجلس التعاون الخليجي في التحول من التنسيق إلى التكامل العسكري من خلال إنشاء جيش خليجي موحّد على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يمكن وصفه بـ»الناتو الخليجي».
وكشفت التحديات الأخيرة أن الأمن الخليجي غير قابل للتجزئة، وأن الصواريخ والمسيّرات لم تكن تعترف بالحدود بين الدول، مما يجعل إنشاء «ناتو خليجي» أو جيش موحّد ضرورة استراتيجية، حسبما يقول الخبراء الخليجيون.
وأكدوا أن تكامل الدفاعات الجوية وتوحيد منظومات القيادة والإنذار المبكر، وتوزيع الأدوار والقدرات بين الجيوش الخليجية، من شأنه أن يحوّل دول المجلس من ست قوى وطنية متعاونة إلى قوة إقليمية واحدة قادرة على الردع والدفاع وحماية مصالحها المشتركة.
«قوة تضاهي القوى العظمى»
وفي هذا الصدد، يقول اللواء ركن حرب المتقاعد، الدكتور محمد بن صالح الحربي، إن «العالم سيشهد بزوغ قطب دفاعي في قلب الشرق الأوسط» حال تشكيل هيكل دفاعي خليجي متماسك، موضحاً أن هذه الخطوة تحولت الآن إلى «ضرورة وجودية» في أعقاب العدوان الإيراني.
ويذهب وزير الإعلام الكويتي الأسبق، الدكتور سعد بن طفلة العجمي، في الاتجاه ذاته بقوله إن «القرارات الكبرى تتخذ في الأوقات الصعبة»، لافتاً إلى أن «ما مرت به دولنا في مجلس التعاون الخليجي لم يكن حدثاً عادياً؛ فقد تعرضت الدول الست لعدوان سافر من قبل إيران».
وأضاف العجمي في تصريحات لصحيفة «الوطن» أن طهران «كشّرت عن أنيابها وخلعت كل الأقنعة عن وجهها وأظهرت نواياها العدوانية التي كانت تجّملها تجاهنا؛ لذلك يفترض ألا يكون الخليج قبل مارس الماضي هو ذاته بعد ذلك»، مؤكداً أن «الدفاع الكونفدرالي الخليجي» يعد «مسألة وجودية وليست تنظيراً».
وتملك دول الخليج مجتمعة أكثر من 404 آلاف عسكري من إجمالي القوات العاملة في جيوشها الوطنية، بالإضافة إلى 1885 دبابة قتال رئيسية، وأكثر من 6100 عربة مدرعة بمختلف أنواعها، و2184 قطعة مدفعية، ونحو 1000 طائرة بينها 827 مقاتلة، و105 مروحيات هجومية، بالإضافة إلى 216 قاذف دفاع جوي بعيد المدى على الأقل، و30 فرقاطة وكورفيتاً وقطعة سطح صاروخية رئيسية أو متوسطة، وفق أرقام تقديرية نُشرت العام 2023 في تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
ومنذ عام 2023، أبرمت دول الخليج العربي، بما في ذلك الإمارات والسعودية وقطر، صفقات أسلحة بمليارات الدولارات، وفق أرقام رسمية، مما يعكس الجاهزية العسكرية لدول المجلس.
وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد تعهد في العام 2025 ببيع المملكة العربية السعودية مقاتلات «إف-35» الشبحية المتطورة، التي تملك القدرة على التخفي على أنظمة الرادارات، إذ لا توافق واشنطن على بيع هذا النوع المتقدم من الطائرات الحربية إلا لدول معينة تعتبرها حليفة.
وفي هذا الصدد، يؤكد الحربي في حديثه لـ»الوطن» أن استثمار دول مجلس التعاون في هيكل عسكري موحّد يجعل العالم أمام «قوى إقليمية تضاهي في تكلفتها التراكمية القوى العظمى»، بوجود أسطول مقاتلات حديثة تتجاوز 1000 طائرة مع تكامل في التزود بالوقود جواً والإنذار المبكر، وفق تقديراته.
ويضيف الحربي أن البحرية الخليجية ستكون «قوة ضاربة تركز على الفرقاطات والغواصات والزوارق السريعة لضمان أمن الطاقة»، في وقت تستطيع فيه تأمين الملاحة الدولية بقواتها.
ويشدد قائلاً إن الانتقال نحو «ناتو خليجي» هو تحول نحو «الإنتاج الأمني»، على حد تعبيره.
وهذا الحلف ليس مجرد حلف عسكري، وفقاً للحربي، الذي يوضح أنه «بوليصة تأمين» سيادية تمنح المنطقة القدرة على صياغة أجندتها الأمنية بعيداً عن صفقات القوى الكبرى.
ما هو حلف الناتو؟
وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تأسس العام 1949 في واشنطن العاصمة، هو حلف عسكري مشترك يضم 32 دولة.
وكانت الدول المؤسسة هي: بلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفرنسا، وآيسلندا، وإيطاليا، ولوكسمبورغ، وهولندا، والنرويج، والبرتغال، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة.
وكان الهدف الرئيسي للناتو هو منع توسع الاتحاد السوفيتي - وهو مجموعة من الجمهوريات الشيوعية التي كانت تهيمن عليها روسيا وتفككت العام 1991 - في قارة أوروبا. كما سعى حلف الناتو إلى منع عودة النزعة العسكرية القومية في أوروبا وتشجيع التكامل السياسي الأوروبي. وعلى الرغم أن الناتو لا يمتلك جيشاً خاصاً به، فإن الدول الأعضاء يمكنها اتخاذ إجراءات عسكرية جماعية استجابة للأزمات الدولية التي يقرها بالإجماع، حيث يتطلب تمرير أي قرار أو سياسة -بما في ذلك قبول أعضاء جدد أو تنفيذ العمليات العسكرية- موافقة جميع الدول الأعضاء.فعلى سبيل المثال، دعم حلف الناتو الأمم المتحدة بالتدخل في حرب يوغوسلافيا السابقة بين عامي 1992 و2004، كما ينسق الحلف الخطط العسكرية ويجري مناورات عسكرية مشتركة.
ويرتكز الحلف على مبدأ الأمن الجماعي للدول الأعضاء، وعلى مفهوم مفاده بأن أي هجوم على أي عضو هو هجوم على جميع الأعضاء، كما هو منصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة الحلف. وقد تم تفعيل هذه المادة مرة واحدة فقط، رداً على هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة العام 2001.
وقد تم نشر قوات الناتو في عدد من النزاعات الدولية، بما في ذلك تنفيذ غارات جوية خلال الحرب في يوغوسلافيا السابقة، ومهمة استمرت لسنوات في أفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر.
ويؤدي حلف شمال الأطلسي دوراً هاماً في مساعدة الأعضاء على تطوير قدراتهم العسكرية، بما في ذلك من خلال شراء أنظمة أسلحة ومركبات ومعدات رئيسية أخرى عن طريق مشتريات متعددة الجنسيات تنسقها وكالة الدعم والمشتريات التابعة للناتو (NSPA).
ويُعد تطوير هذه القدرات مسؤولية وطنية للدول، إلا أن تنسيق الناتو يُساعد أعضاءه على تحديد وشراء المعدات التي يحتاجونها للدفاع عن أنفسهم وحلفائهم في جميع الأوقات، بما في ذلك الاستفادة من وفورات الحج
كما يضمن هذا التنسيق قدرة الأنظمة الوطنية على التكامل بسلاسة والعمل معاً عند الحاجة، ويُعد التعاون مع قطاع الصناعات الدفاعية أمراً حيوياً لهذه الجهود.
«الناتو الخليجي».. بالإجماع
لكن أي خطوة مشابهة لدى مجلس التعاون تتطلب إجماعاً من جميع العواصم الخليجية نحو التحول إلى «ناتو خليجي»؛ حسبما يقول الخبير العسكري الإماراتي العميد المتقاعد خلفان الكعبي.
وفي حديثه لـ»الوطن»، يرى الكعبي أن هناك حاجة ملحة لتنسيق عالٍ جداً بين دول مجلس التعاون بعد العدوان الإيراني عليها، مشدداً على ضرورة أن تضع الدول الست طهران في تصنيف «العدو».
واستشهد بحلف شمال الأطلسي قائلاً إن الأعضاء انقسموا بشأن روسيا، وبالتالي لم يستطيعوا تشكيل موقف موحد، وهذا ما يؤكد ضرورة التنسيق العالي وتوحيد المواقف.
ويعتقد الكعبي أن التفاهمات الثنائية بين دول مجلس التعاون هي الحل الأنسب راهناً حتى تصل جميع دول المجلس إلى قناعة بأن هذا مشروع الحلف الدفاعي الخليجي المشترك ضرورة.
ومع ذلك، يذهب العجمي، وزير الإعلام الكويتي الأسبق، إلى رأي مخالف عندما أكد أن «التنسيق (الخليجي) على أعلى المستويات ظهر أثناء العدوان السافر على دولنا بين جيوشنا المختلفة»، مشيراً إلى أن الجيوش الخليجية أظهرت بسالة وشجاعة وقدرة على صد العدوان بما أذهل العدو قبل الصديق، حسب وصفه.
لذلك، فإن هذه الخبرة التي راكمتها الجيوش الخليجية، كما يقول العجمي، يجب أن تستثمر لما يمكن أن يشكّل جيشاً موحداً لأنها مسألة حتمية من أجل بقاء دول الخليج العربي، ومشدداً في الوقت ذاته على ضرورة تجاوز التباينات وتقديم التنازلات المتبادلة لأجل بقاء دول الخليج العربي.
وكان رئيس هيئة الأركان في قوة دفاع البحرين، الفريق الركن ذياب بن صقر النعيمي، صرح على هامش مؤتمر الحوار العسكري الاستراتيجي للحلفاء الذي عُقد مطلع الشهر الجاري قائلاً إنه «نظراً للأهمية الجيوسياسية والاقتصادية الاستثنائية التي تمثلها منطقتنا للعالم أجمع، فلا بد لنا اليوم من إدراك حجم التحديات الراهنة والمستقبلية، وصياغة حلول وتصورات استراتيجية متكاملة تلتقي فيها إرادتنا الجماعية، وهو ما يستوجب أن نكون أكثر تقارباً، وتماسكاً، وانسجاماً، لنتمكن من مجابهة كافة التهديدات بكل قوة وصلابة».
وفي هذا الإطار، يرى الأكاديمي القطري، الدكتور علي الهيل، أن أحد الدروس المستخلصة من العدوان الإيراني الغاشم غير المبرر هو تطوير صيغة دفاعية مشتركة لمجلس التعاون من خلال اتحاد كونفدرالي بين دول الخليج العربي لمواجهة الأعداء، مبيناً أن هذه المواجهة تتطلب عقلاً جمعياً وإرادة واحدة وعملاً جماعياً.
واستشهد بالهجمات الإيرانية الغاشمة التي ضربت البنية التحتية المدنية ومحطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة، وهي تمثل مقدرات شعوب دول الخليج العربي، حسبما ذكر الهيل في حديثه لصحيفة «الوطن».
ويقول إن الاتحاد الكونفدرالي الخليجي «أمر ملح وأكثر ضرورة» لدول مجلس التعاون لمواجهة العالم، لافتاً إلى أن هذا المشروع سيؤسس وزارة دفاع مشتركة بين دول الخليج العربي. ويتابع الهيل: «يجب أن نصنع سلاحنا بأيدينا فنحن لسنا أقل من أحد... نستطيع أن نفعل ذلك إذا كنا على قلب رجل واحد وبصوت واحد وبإجماع واحد».
وتعتبر الكونفدرالية أو الاتحاد الكونفدرالي، نظاماً سياسياً يتميز بتحالف فضفاض بين وحدات سياسية مستقلة، مثل الولايات تتحد تحت حكومة اتحادية أوسع.
ويتيح هذا الهيكل للحكومة المركزية سنّ القوانين المتعلقة بالمسائل ذات الأهمية الوطنية، مع الحفاظ على السلطات المحلية لتشريع قوانينها الخاصة وإنفاذها.
ورغم ندرة الكونفدراليات الحقيقية في العصر الحديث، فإن من أمثلتها الاتحاد الأوروبي، وسويسرا تاريخياً.
«الأساس القانوني والمؤسسي متوفر»
ويُعد مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي تأسس في العام 1981، أكبر منظمة سياسية عربية خارج جامعة الدول العربية.
وينظر إليه على أنه منظمة ناجحة بعد اعتماد جملة من القرارات مثل إنشاء اتحاد جمركي في العام 2003، وسوق مشتركة بعد ذلك بخمسة أعوام، علاوة على حرية الحركة والعمل في أي دولة عضو بالنسبة لمواطني دول المجلس الست.
ولطالما أكد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، في خطاباته السامية على ترسيخ أهمية مجلس التعاون ووحدة الصف الخليجي، والمصير المشترك، وتعزيز العمل الخليجي المشترك باعتباره الركيزة الأساسية لصون أمن واستقرار دول المجلس.
وشدد جلالة الملك المعظم أيده الله في كلمة سامية خلال إحدى قمم مجلس التعاون التي استضافتها مملكة البحرين على ضرورة «دعم وتعزيز العمل الخليجي المشترك لتحقيق طموحات مواطني مجلس التعاون، وتفعيل دور مجلس التعاون على نحو يستشعره المواطن الخليجي خلال حياته اليومية، وإيمانه بأن مصالحه لا يمكن أن تصان وتتحقق إلا بالتماسك والتكامل والاتحاد حماية لأمنه واستقراره ومكتسباته».
وهنا يتحدث أستاذ العلوم السياسية العماني، الدكتور عبدالله باعبود، قائلاً إن مجلس التعاون الخليجي يوفر «الأساس القانوني والمؤسسي» لإنشاء «ناتو خليجي»، لكن المسألة تتعلق بالتطبيق والتفعيل على حد تعبيره.
ويقول باعبود لصحيفة «الوطن» إن «الأحداث الأخيرة أثبتت أن أمن دول الخليج مترابط بشكل كامل؛ فالهجمات التي استهدفت دولة خليجية أو الممرات البحرية أو البنية التحتية للطاقة انعكست آثارها على جميع دول المجلس»، موضحاً أن «هذا يؤكد صحة الفكرة التي قام عليها مجلس التعاون منذ تأسيسه، وهي أن الأمن الخليجي كلٌّ لا يتجزأ».
ومع ذلك، يرى الأكاديمي العماني أن «ما تحتاجه دول الخليج اليوم ليس اتفاقية جديدة بقدر تطوير الاتفاقيات القائمة عبر إنشاء منظومة دفاع جوي وصاروخي موحدة، ومركز قيادة وسيطرة مشترك، وتكامل أكبر في مجالات الاستخبارات والأمن السيبراني وحماية الممرات البحرية»، مؤكداً أن هذه الخطوات أكثر واقعية وفاعلية من إنشاء إطار جديد يحمل مسمى مختلفاً.
ومضى في قوله إنه حال «نجحت دول المجلس في تفعيل الاتفاقيات القائمة وتحويلها من إطار للتنسيق إلى إطار للردع الجماعي، فإنها ستكون قد حققت عملياً ما يصفه البعض بـ(الناتو الخليجي)، ولكن بصيغة خليجية تتناسب مع خصوصية المنطقة ومصالحها وأولوياتها الاستراتيجية».
وتنص معاهدة الدفاع المشترك لمجلس التعاون عملياً على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، وبالتالي فإن الأساس القانوني لفكرة الدفاع الجماعي موجود بالفعل، حسبما يقول باعبود، الذي يشير إلى أن «المطلوب هو الانتقال من التنسيق الدفاعي إلى التكامل الدفاعي ومن التشاور الأمني إلى الردع الجماعي الفعّال».
ويوضح باعبود أن هذا الشيء «قد يكون أكثر واقعية وقبولاً من استنساخ نموذج حلف شمال الأطلسي بحذافيره»، وهو الرأي الذي يتفق معه الهيل أيضاً.
وبحسب المادة 6 من اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن الدول الأعضاء تلتزم بتطوير قوة درع الجزيرة وفق ما تم الاتفاق عليه سابقاً وتعمل على تطويرها مستقبلاً وفقاً لإمكانية كل دولة من الدول الأعضاء بما يخدم دورها في مفهوم الدفاع المشترك عن دول المجلس.
ودرع الجزيرة هي قوات خليجية مشتركة أسسها مجلس التعاون في العام 1984، تأتي ضمن اتفاقية الدفاع المشتركة ومجلس الدفاع المشترك وغيرها من آليات التنسيق العسكري والأمني بين دول مجلس التعاون، حسبما يقول باعبود، الذي أكد ضرورة تفعيلها وتطويرها بما يتناسب مع التهديدات الجديدة.
وفي هذا السياق، يقول الحربي إن «الناتو يقوم على مبدأ الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع، بوجود قيادة عسكرية موحدة (Integrated Command)، وبنية تحتية مشتركة، وعقيدة قتالية واحدة، وأنظمة استخباراتية مترابطة تضمن الاستجابة الفورية دون الحاجة لاجتماعات طارئة».
وبالتالي، فإن التحول إلى حلف دفاعي موحد يحقق «مكاسب هائلة» لدول الخليج، وفقاً للّواء الحربي، الذي يقول إن «مكاسب الحلف تتمثل في تكامل دفاعي جوي وصاروخي يغطي كامل الرقعة الجغرافية، بالإضافة إلى تأمين الممرات المائية (مضيق هرمز وباب المندب) بقوة بحرية موحدة، وتطوير صناعات عسكرية محلية تخدم تطلعات الحلف».
وسيصبح الحلف الخليجي «قوة مانعة (Deterrence force) تجعل أي طرف، بما في ذلك إيران، يفكر مرتين قبل التحرش بمصالحنا»، حسبما يقول الحربي.
«المسارات المتوازية»
وللوصول إلى تلك المرحلة، تحتاج دول مجلس التعاون لمركز قيادة وسيطرة خليجي موحد (C4ISR) يربط رادارات وطائرات الإنذار المبكر لدول المجلس بشبكة واحدة، بالإضافة إلى الاعتماد على مصادر تسليح متنوعة يجعل التنسيق اللوجستي معقداً؛ ولهذا فإن الحلف يتطلب معايير موحدة للذخيرة وقطع الغيار وبرمجيات التوجيه، حسبما ذكر الحربي. ولفت الحربي إلى أن هذه المرحلة تتطلب قراراً سياسي من الدول الست، بحيث يتم التنازل عن جزء من السيادة العسكرية لصالح قيادة مركزية، وهو ما يمثل التحدي الأكبر على حد وصفه.
وكانت جميع دول الخليج العربي قد رحبت بمذكرة التفاهم التي أبرمتها واشنطن مع طهران لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً على أن تتم تسوية بقية الملفات العالقة بين الطرفين خلال هذه النافذة القابلة للتمديد.
وهنا يقول الباحث السياسي البحريني، عبدالله الجنيد، إن الترحيب الخليجي «جزء من مناخ إقليمي يتطلع إلى خفض حدة التوتر واحتواء الأزمة من خلال ترتيبات تمهد لاستقرار أكثر استدامة».
ومع ذلك، فإن هذا الموقف السياسي الإيجابي لم يمنع بروز مؤشرات عملية على أن دول مجلس التعاون لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه ضمانة كافية بذاته، بل تتعامل معه بحذر واقعي يتيح التعاطي الأمثل مع كافة الاحتمالات، حسب تعبيره.
وفي هذا السياق، يقول الجنيد في تصريحات لـ»الوطن» إن المشهد الخليجي الراهن يحسم أمرين أساسيين؛ الأول أن دول مجلس التعاون قد طورت بالفعل مفهومي الدفاع والردع بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الجديدة، والثاني أن أمن مضيق هرمز لم يعد مرتبطاً فقط بحسابات القوة التقليدية أو بالجانب الأمريكي وحده، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التفاهمات والخيارات الدولية.
ويضيف أنها دلالة لما وصفه بـ»المسارات المتوازية»: ترحيب بالتهدئة، يقابله إصرار على الجاهزية؛ وانفتاح على الاتفاق، يتوازى مع تصميم واضح على ألا يكون الأمن الخليجي معلقاً على حسن النوايا وحده.