تقرير - سلمان العباسي

  • - «‬أنجي‮»‬‭ ‬تروي‭ ‬قصة‭ ‬التحول‭ ‬الأكبر‭.. ‬ من‭ ‬محاجر‭ ‬ملوثة‭ ‬لأحد‭ ‬أنجح‭ ‬المدن‭ ‬الخضراء‭ ‬في‭ ‬العالم
  • - ‮«‬ديب‭ ‬بلو‮»‬‭.. ‬منجم‭ ‬إسمنت‭ ‬مهجور‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬وجهة‭ ‬سياحية‭ ‬تستقطب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬زائر‭ ‬سنوياً
  • - البامبو‭ ‬يقود‭ ‬اقتصاداً‭ ‬أخضر‭.. ‬عندما‭ ‬حولت‭ ‬الصين‭ ‬الغابات‭ ‬لصناعات‭ ‬بمليارات‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬بالبيئة
  • - سور‭ ‬الصين‭ ‬ومعبد‭ ‬السماء‭.. ‬حضارة‭ ‬عمرها‭ ‬قرون‭ ‬تواكب‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬هويتها

بين أسوارٍ شُيّدت قبل قرون، ومدنٍ ذكية تُدار بالبيانات والذكاء الاصطناعي، وغابات بامبو تحولت إلى محرك لاقتصاد أخضر، عاش وفد جمعية الصحفيين البحرينية في جمهورية الصين الشعبية تجربة تجاوزت حدود برنامج تدريبي تقليدي، لتصبح رحلة استكشافية داخل واحدة من أكثر التجارب التنموية إثارة في العالم. فمن بكين إلى أنجي، وقف الوفد أمام نماذج تجسد كيف يمكن لحضارة عريقة أن تحافظ على إرثها التاريخي، بينما تقود في الوقت ذاته ثورة في التكنولوجيا والاستدامة والابتكار.

وفي قلب هذه الرحلة، برزت قصص استثنائية؛ مدينة نهضت من محاجر ملوثة لتصبح نموذجاً عالمياً للتنمية الخضراء، ومنجم إسمنت مهجور تحول إلى مقصد سياحي يستقطب أكثر من مليون زائر سنوياً، وتجربة فتحت آفاقاً جديدة لتعزيز التعاون الإعلامي والمعرفي بين مملكة البحرين وجمهورية الصين الشعبية.

وهكذا لم تكن زيارة وفد جمعية الصحفيين البحرينية إلى جمهورية الصين الشعبية مجرد مشاركة في برنامج تدريبي متخصص في الإعلام، بل تحولت إلى رحلة معرفية أتاحت للوفد فرصة معايشة واحدة من أبرز التجارب التنموية في العالم، والاطلاع على نموذج استطاع أن يوائم بين الحفاظ على الإرث الحضاري، والاستثمار في التعليم، وتسخير التكنولوجيا، وتحقيق التنمية المستدامة.

الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي في قلب التجربة التعليمية

وجاءت الزيارة ضمن برنامج «ندوة الصين – البحرين للتنمية المتكاملة لوسائل الإعلام والأخبار»، الذي نظمه معهد البحوث والتدريب التابع للإدارة الوطنية الصينية للإذاعة والتلفزيون، واستمر أسبوعين، جامعاً بين الجانب الأكاديمي والزيارات الميدانية، بما أتاح للمشاركين الاطلاع على التجربة الصينية من مصادرها المباشرة.

وشكل الجانب التعليمي محوراً رئيسياً في البرنامج، إذ خضع المشاركون لسلسلة من المحاضرات وورش العمل المتخصصة التي تناولت مستقبل الإعلام الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وآليات توظيف البيانات الضخمة في دعم العمل الإعلامي، إلى جانب استعراض تجارب المؤسسات الإعلامية الصينية في مواكبة التحولات التقنية. كما أتاحت الجلسات مساحة للنقاش وتبادل الخبرات بين الإعلاميين، ما منح الوفد رؤية أوسع حول التطورات المتسارعة التي يشهدها القطاع الإعلامي عالمياً، وأهمية تطوير الكفاءات البشرية لمواكبة هذه المتغيرات.

سور الصين.. تاريخ يمتد آلاف الكيلومترات

ولم تقتصر التجربة على قاعات التدريب، بل امتدت إلى الميدان، حيث استهل الوفد جولاته بزيارة سور الصين العظيم، أحد أبرز الرموز الحضارية في العالم، والذي يمتد عبر آلاف الكيلومترات، وشُيد على مراحل تاريخية متعاقبة لأغراض دفاعية قبل أن يتحول إلى معلم إنساني مدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. وخلال الزيارة، تعرّف المشاركون على المراحل التاريخية والهندسية التي مر بها السور، وكيف نجحت الصين في تحويله إلى وجهة ثقافية وسياحية متكاملة تحافظ على قيمته التاريخية وتقدمه للأجيال بصورة عصرية.

معبد السماء.. تحفة معمارية صمدت عبر القرون

كما زار الوفد معبد السماء في العاصمة بكين، الذي يُعد من أبرز روائع العمارة الصينية التقليدية، إذ شُيد بالكامل من الأخشاب دون استخدام المسامير، وكان مقراً للمراسم الإمبراطورية خلال عهد أسرة مينغ. ويجسد المعبد دقة الهندسة المعمارية الصينية وارتباطها بالفلسفة والثقافة، وهو أحد المواقع المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

أنجي.. من المحاجر الملوثة إلى مدينة خضراء عالمية

غير أن أكثر محطات الرحلة تأثيراً كانت في محافظة أنجي التابعة لمقاطعة تشجيانغ، حيث بدت الطبيعة وكأنها تروي بنفسها قصة تحول استثنائية، تجسد قدرة الإنسان على استعادة التوازن مع البيئة. فبين الجبال الخضراء التي تكسوها غابات البامبو الممتدة، والأنهار الصافية، والقرى الهادئة التي تنسجم بانسيابية مع محيطها الطبيعي، يصعب على الزائر أن يتخيل أن هذه المنطقة كانت في الماضي تعتمد على الصناعات التعدينية واستخراج المحاجر، وما صاحب ذلك من تلوث بيئي واستنزاف للموارد الطبيعية.

وقد اختارت السلطات المحلية آنذاك مساراً مختلفاً، يقوم على إيقاف الأنشطة الملوثة، وإعادة تأهيل البيئة، وزراعة ملايين أشجار البامبو، وتبني مفهوم «المياه الصافية والجبال الخضراء ثروة لا تقدر بثمن»، لتتحول أنجي تدريجياً إلى واحدة من أبرز المدن الصينية الصديقة للبيئة، وحصدت سمعة عالمية باعتبارها نموذجاً ناجحاً في التنمية الخضراء.

واليوم، تحولت أنجي إلى لوحة طبيعية آسرة تنبض بالحياة، حيث تتناغم ألوان الطبيعة في مشهد يخطف الأبصار ويأسر القلوب. وتمنح صفاء الغابات، ونقاء المياه، واتساع المساحات الخضراء الزائر شعوراً بالسكينة والتأمل، حتى ليخال للناظر أن هذه المناظر الخلابة أقرب إلى لوحة فنية مرسومة منها إلى واقع حي، في تجربة تعكس نجاح الصين في تحويل التحديات البيئية إلى نموذج عالمي للتنمية المستدامة والحفاظ على الطبيعة.

البامبو يقود اقتصاداً دائماً وصديقاً للبيئة

وخلال الجولة، لمس الوفد كيف أصبحت البيئة نفسها ركيزة للاقتصاد المحلي، بعدما تحولت غابات البامبو إلى مصدر لصناعات مبتكرة تشمل الأثاث ومواد البناء والأدوات المنزلية والمنتجات القابلة للتحلل والبدائل الصديقة للبيئة للبلاستيك، بما يعكس قدرة الصين على تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة دون الإضرار بالبيئة.

ولم يقتصر نجاح أنجي على الجانب البيئي، بل امتد إلى بناء منظومة متكاملة للتنمية، إذ استثمرت المحافظة في التعليم والبحث العلمي لتخريج كوادر قادرة على قيادة التحول الأخضر. وشملت هذه الجهود إنشاء مراكز للتدريب المهني والبحث والتطوير، وتعزيز التعاون بين الجامعات والقطاع الصناعي، وربط التعليم باحتياجات التنمية المستدامة، بما أسهم في إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لابتكار حلول بيئية وتقنية تخدم المجتمع والاقتصاد في آن واحد.

ديب بلو

وفي أحد أجمل المحطات تمت زيارة مشروع «ديب بلو»، حيث يعتبر أبرز مشاريع إعادة تأهيل المواقع الصناعية القديمة، حيث كان يقع بها مصنع الإسمنت والتعدين واستخراج المواد الخام لسنوات عديدة، وأظهر القائمون على المشروع أن المنطقة شهدت تحولات جديدة بعد طرح الرئيس الصيني عام 2005 مفهوم المياه الصافية والجبال الخضراء، وتعد ثروة كبيرة لا تقدر بثمن.

حيث افتتح المشروع رسمياً أمام الزوار عام 2022، واستقطب أكثر من مليون زائر سنوياً خلال الفترة 2022-2025، حيث إن البحيرة طبيعية ولم يتم إدخال أي مواد صناعية، وتشكلت نتيجة تجمع مياه الأمطار والمياه الجوفية داخل حفرة المنجم القديمة.

تقدم أنجي اليوم نموذجاً طبيعياً نقياً يجمع بين التنمية الخضراء والسياحة المستدامة والحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي، وأصبحت واحدة من أهم وأبرز الوجهات السياحية التي تستقطب الكثير من الباحثين والمهتمين بالتنمية المستدامة من مختلف أنحاء العالم.

التقنيات الرقمية تعيد صياغة الخدمات الحكومية

كما اطلع الوفد على تجربة الحوكمة الذكية التي تطبقها المحافظة، حيث أصبحت البيانات الضخمة والأنظمة الرقمية جزءاً أساسياً من إدارة الخدمات الحكومية. وتعتمد الجهات المحلية على منصات إلكترونية موحدة لمتابعة الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية، وتحليل البيانات بصورة لحظية لدعم اتخاذ القرار، ورفع كفاءة الأداء، وتسريع إنجاز المعاملات، بما انعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات ومستوى رضا السكان.

وعكست هذه التجارب أن التحول الرقمي في الصين لا يقوم على إدخال التقنيات الحديثة فحسب، وإنما على رؤية استراتيجية متكاملة تجعل التكنولوجيا والتعليم والابتكار عناصر مترابطة في خدمة التنمية، وهو ما أسهم في بناء منظومة أكثر كفاءة واستدامة في مختلف القطاعات.

مشاريع إعلامية وتكريم يجسدان ثمرة أسبوعين من التعلم

واختُتم البرنامج بمراسم تكريم لوفد جمعية الصحفيين البحرينية وعدد من الإعلاميين البحرينيين، بحضور نائب رئيس معهد البحوث والتدريب ليو لينهاي، ونائب المدير قوه شنغ يانغ، فيما أدارت الحفل مديرة المشاريع تشو تينغ. واستُهلت الفعالية بعرض المشاريع الختامية للمشاركين، الذين عملوا ضمن خمس مجموعات لإنتاج فيديوهات قصيرة عكست ما اكتسبوه من مهارات في مجالات الإنتاج الإعلامي الرقمي، قبل أن تُسلَّم شهادات المشاركة والهدايا التذكارية، في ختام برنامج جسّد أهمية تبادل الخبرات بين الإعلاميين في البلدين.

تجربة تترك أثراً يتجاوز البرنامج

في الختام، أكدت الزيارة أن العلاقات بين مملكة البحرين وجمهورية الصين الشعبية تشهد نمواً متواصلاً لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والتجارية، بل يمتد إلى مجالات الإعلام والمعرفة والابتكار والتنمية المستدامة، بما يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ويعزز آفاق التعاون في بناء كوادر إعلامية قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية والاستفادة من التجارب التنموية الرائدة.