تخيل أنك تدخل على طبيب للحصول على الاستشارة وهو مشغول بالحديث مع أحد المرضى عبر الهاتف، والرد على آخر عبر البريد وبين المكالمة ورسالة البريد يتحدث معك قليلاً؟ ما مستوى الخدمة التي ستحصل عليها؟ وما احتمالية التداخل التي قد تحصل بين المرضى الثلاثة الذين يتلقون المشورة في نفس الوقت؟

وماذا عن من يدير ثلاثة محلات في نفس الوقت، فهنا يفتتح محلاً للحلاقة، وهناك برادة على الشارع السريع، وفي منطقة ثالثة محلاً لصيانة الأجهزة، وكل محل في منطقة مختلفة وفيها محلات منافسة. فكيف سيكون تركيزه على تقديم الخدمات والنشر وبناء حساب على منصات التواصل والحصول على زبائن؟

أما كان له من الأفضل البدء بمجال واحد حتى يقف على رجليه ثم ينتقل للمحل الذي بعده؟

وأما كان من الأفضل للطبيب التركيز على مريض واحد كل مرة لتقديم خدمات أفضل وأدق؟

التشتت يُربك، والتنقل بين مختلف الأعمال يربك، وكثرة الأعمال المطلوب متابعتها في نفس الوقت أيضاً مربك وسبب للوقوع في الكثير من الأخطاء.

وهذا في معظم مجالات الحياة.

يود أحدهم أن يُحسن من وضعه المالي فيفتتح مشروعاً للأكل، وحساب لصناعة المحتوى بمجال مختلف عبر «الإنستغرام»، ومتجر رقمي لبيع الملابس والاكسسوارات ثم يشتكي الضغط والتشتت وضعف النتائج!!

ربما تعدد المشاريع في مرحلة استكشاف المجال الأنسب لا خلاف فيها عندما يكون المرء باحثاً عن مجال وتخصص للتمسك به والبدء من خلاله، ولكن طالما اخترت المجال وطبيعة الخدمة التي ستقدمها لماذا تشتت نفسك وتضعف تركيزك عما في يدك؟

فحتى المشروع الصغير الذي بدأته وصرت تكسب منه شيئا يسيراً يحتاج لمتابعة وتفرغ حتى لا تخسر الناس الذين عرفوك وصاروا ينتظرون الجديد منك.

ولا تضطر حينها أن تبدأ من جديد بعد أن أشغلك المشروع الجديد وصرت لا تلتفت للمشروع الذي كان يحقق لك دخلاً قليلاً كان أو كثيراً.

ابدأ في مجال ما، وتعلم أسراره وابن لك جمهور واسم واكسب منه حتى إذا صارت قدمك راسخة، وصار المشروع يعتمد عليك بشكل أقل للمتابعة والنشر حينها يسعك التفكير بمشروع إضافي من غير إهمال لمشروعك الأول.

ولو كنت تقارن نفسك مع البعض ممن دخل في أكثر من مجال وصار ناجحاً فيها كلها، فهذه حالات استثنائية ولا تنطبق على الكل، فثمة أشخاص حباهم الله قدرات فذة تتيح لهم فعل الكثير.

وليس الأغلب هكذا، فالبعض قدم تضحيات كبيرة على حساب صحته وأسرته وأبنائه حتى يصنع لنفسه اسماً في هذه المجالات، وهي تضحيات قد تنتهي بخسائر فادحة وندم لاحقاً.

فتأمل فيما أنت مقدم عليه، وراجع نفسك وانظر في عدد المشاريع التي دخلت فيها وتوقفت في وسطها.

لعل الوقت حان لترتيب أولوياتك والتركيز على مشروع واحد قبل الانتقال لغيره.