كنت أسير يوماً في إحدى الطرقات، فوجدت عبارة مكتوبة على حائط، استوقفتني تلك العبارة، وجعلتني أفكر فيها كثيراً تقول العبارة: (اجعل من يراك يدعو لمن ربَّاك).
إن العبارة، رغم بساطتنا ومباشرتها إلا أنها عميقة في معناها وجميلة في مغزاها. وحين قرأت قول الله تعالى: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)، ربطت بينها وبين تلك العبارة، لأجد أن دعوة الناس لمن ربَّاك جزء من قرة الأعين التي تلحق الوالدين نتيجة تربيتهم لأبنائهم، بل حتى ذرياتهم من بعدهم، ولتكون قرة العين هي أعظم نتيجة يراها الأبوان في أبنائهم. وأكبر مؤشر إلى أنهما يسيران في تربية لأبنائهما في المسار الصحيح.
ولك أن تسأل: ما هي قرة العين، وماذا أفعل لأراها في أبنائي، وأشعر بها في نفسي؟.
يرى الإمام الطبري -رحمه الله- أن «قرة أعين» معناها: «اجعلهم مَن تَقَرُّ بهم أعيننا في طاعتنا لك واتباع أمرك، واستدل بأن أصل «قرة العين» من القَرار؛ أي سكون العين وطمأنينتها بما تراه، خلافاً لاضطرابها وحرارتها عند الحزن. ورجَّح أن قرة العين في الدين تكون بصلاح الذرية، لا بمجرد الجمال أو كثرة المال».
وكأن الطبري يقول لكما أيها الأبوان: هل يحافظ أبناؤكم على الصلاة؟، ويتعلمون مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب؟، ويتعاملون فيما بينهم باللطف ولين الجانب؟ إذاً أبشروا بقرار العين وراحة البال بإذن الله تعالى.
بل أبشروا بأن كل من يراهم ستقر بهم أعينهم، وهذا ما أشار إليه الزمخشري في تفسيره حين قال: «أن الداعين لم يقولوا: «اجعلهم قُرَّةَ أعيننا» بالإفراد، بل جاؤوا بالجمع «أعيُن» دون الاكتفاء بالتثنية؛ للدلالة على كمال السرور وفيضانه، حتى يشمل كل ناظر. وأشار إلى أن قرة العين حقيقتها برودة دمع الفرح، في مقابل حرارة دمع الحزن، وهو من دقيق الاستعارة العربية».
وأشار الفخر الرازي في مفاتيح الغيب بأن قرة العين فيها قولان:
«قول: يرى أصحابه أن قرة العين هي السرور الحسي بجمال الأولاد وصحتهم».
وهذا القول صحيح، لأن بقاء الأبناء بعيدين عن كل ما يؤثر على كمال خلقتهم وجمال خَلقهم وتمام صحتهم لاشك أن ذلك يسر النفس ويبهج الخاطر.
«القول الثاني: قرة العين الحقيقية هي السرور الديني بإقامتهم الصلاة والعبودية لله».
وهذا القول هو ما يجعل قرة العين أكثر استقراراً وأعظم أثراً في النفس؛ لأنها لا تغيب عن قلوب الآباء والأمهات.
واسألوا إن شئتم أمّاً تقوم في آخر الليل لأي سبب من الأسباب، فتدخل غرفة إحدى بناتها تطمئن عليها، فتجدها ساجدة بين يدي الله، كم من السرور والفرحة والغبطة التي تجدها في نفسها؟
واسألوا إن شئتم أباً يصلي صلاة في مسجد إمامُها ابنه، كم من السعادة التي يشعر بها في نفسه.
وهذان المشهدان يمكن أن يذوقهما قلبي وقلبك إذا اعتبرنا قرة العين هدفاً سامياً نسعى إليه.
الإمام الغزالي ربط قرة العين بالتربية، وقرَّر أن قرة عين الأب بولده لا تحصل إلا إذا أحسن تأديبه في الصِّغر، وضرب مثَلاً: «القلبُ كالأرض، والتعليمُ كالبذر، وقرةُ العين هي ثمرةُ الحرثِ حين يُحسَن»، وحذَّر من أن تربية الولد على الشهوات تُعمي العين عن قرتها، والعياذ بالله.
وقرَّر ابن القيم «أن قرة العين بالذرية مرهونةٌ بتوفيق الله أولاً، ثم بحُسن التربية ثانياً، وأن الأبوين إذا أحسنا التنشئة الدينية، وعلَّما الأبناءَ الصلاةَ، وحفظَ القرآن وآداب الإسلام، فإن الله يُقرُّ أعينهم بهم في الدنيا قبل الآخرة».
وذهب ابن تيمية إلى ما هو أبعد من ذلك، فرأى أن «قرة العين» لها درجتان: قرة عين الدنيا وهي صلاح الأبناء ظاهراً، وقرة عين الآخرة وهي لقاؤهم في الجنة. وأن الدعاء الوارد في الآية (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)، يتضمن الطلبين معاً، فمن بلَّغ أهله وذريته إلى مقام التقوى، فقد حقَّق أعلى درجات قرة العين.
فاللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً يا رب العالمين.
باحث شرعي تربوي