بالرؤية الثاقبة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم وإيمانه بالإنسان البحريني وما سطره ميثاق العمل الوطني من استشراف المستقبل، وإيمانه بأن نهضة الأوطان لا تُقاس بما تمتلكه من مؤسسات ومنشآت فحسب، بل بما تستثمره في الإنسان بوصفه الثروة الوطنية الحقيقية. ومن ثم انطلق المشروع الإصلاحي لجلالته ليؤسس فلسفة تنموية متكاملة، جعلت بناء الإنسان سابقاً على بناء البنيان، والاستثمار في العقول والكفاءات والتي تعد من الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، حتى غدت مملكة البحرين نموذجاً وطنياً يجمع بين أصالة الهوية، وحداثة المؤسسات وتعزيزاً لمبدأ استشراف المستقبل.
ولم تكن مسيرة تمكين المرأة البحرينية قراراً آنياً فرضته متغيرات العصر، ولا استجابة لضغوط خارجية، وإنما جاءت امتداداً لرؤية ملكية استشرفت المستقبل، واستندت إلى ثوابت الشريعة الإسلامية، وأحكام الدستور، وسيادة القانون، لتؤسس نموذجاً بحرينياً متوازناً يجمع بين الأصالة والتحديث، ويحفظ هوية المجتمع وهو يواكب متطلبات القرن الحادي والعشرين.
ولأن بناء الإنسان يحتاج إلى مؤسسات متخصصة، جاءت المبادرة الملكية بإنشاء المجلس الأعلى للمرأة ليكون المظلة الوطنية المعنية بتمكين المرأة، وصياغة السياسات الكفيلة بتعزيز مشاركتها في مسيرة التنمية، برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك البلاد المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، التي استطاعت، بحكمة ورؤية استراتيجية صلبة، أن تنقل ملف المرأة البحرينية من دائرة المبادرات التقليدية إلى منظومة مؤسسية متكاملة، والتي أصبحت اليوم إحدى الركائز الأساسية في النموذج التنموي البحريني.
فلم يكن هدف سموها أن تحصل المرأة على فرصٍ أكبر فحسب، بل أن تصبح شريكاً في صناعة القرار، وعنصراً مؤثراً في رسم السياسات العامة، وقيمة مضافة في الاقتصاد الوطني، وهو ما تحقق عبر بناء منظومة متكاملة من التشريعات، والاستراتيجيات، والخطط الوطنية، والشراكات المؤسسية، التي جعلت من تمكين المرأة سياسة دولة، لا مجرد برنامج اجتماعي.
وقد استند هذا النهج إلى أساس دستوري وقانوني راسخ؛ فالدستور البحريني، بحسب المادة (5) من الدستور واستلهاماً من مبادئ الشريعة الإسلامية، أرسى قواعد العدالة والمساواة في الكرامة الإنسانية، وتكافؤ الفرص، وحماية الأسرة، ورسخ مبدأ المشاركة في التنمية، بينما جاءت التشريعات الوطنية لتترجم هذه المبادئ إلى ضمانات قانونية وسياسات تنفيذية، تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، وتعزز دور المرأة في مختلف القطاعات.
ولذلك، لم يعد ينظر إلى المرأة البحرينية بوصفها مستفيدة من التنمية، بل أصبحت إحدى صانعاتها؛ فهي القاضية التي ترسخ العدالة، والطبيبة التي تحفظ الصحة، والأكاديمية التي تبني المعرفة، والمهندسة التي تشارك في تشييد المستقبل، والدبلوماسية التي تمثل وطنها في المحافل الدولية، ورائدة الأعمال التي تدفع عجلة الاقتصاد، والجندية التي تسهم في حماية الوطن، والموظفة المخلصة في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، والأم التي تغرس قيم الانتماء في نفوس الأجيال.
وفي ظل هذا النضج المؤسسي، جاء تدشين منصة المرأة البحرينية ليشكل محطة نوعية جديدة في مسيرة التمكين الوطني. فالمنصة ليست مجرد قاعدة بيانات إلكترونية، وليست سجلاً رقمياً للأسماء والسير الذاتية، وإنما هي مشروع وطني لحفظ الذاكرة المؤسسية للمرأة البحرينية، وتوثيق إنجازاتها، وإبراز كفاءاتها، وربط الخبرات الوطنية باحتياجات التنمية، في تجسيد عملي للتحول الرقمي الذي تتبناه المملكة.
إن هذه المبادرة تعكس فهماً متقدماً للعلاقة بين التكنولوجيا والتنمية؛ فالتقنية هنا ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لاستثمار رأس المال البشري، وإدارة المعرفة، وتعزيز الكفاءة المؤسسية، بما ينسجم مع أحد أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو تحقيق المصلحة العامة، ومع إحدى قواعدها الكبرى التي تقضي بأن (تصرف ولي الأمر على الرعية منوط بالمصلحة)، وهي القاعدة التي تتجسد في كل سياسة وطنية تستثمر الطاقات البشرية، وتحفظ الخبرات، وتبني المستقبل.
لقد نجحت البحرين في أن تقدم نموذجاً متفرداً يؤكد أن الشريعة الإسلامية لا تقف في مواجهة التطور، بل توجهه، وأن القانون ليس مجرد نصوص جامدة، بل أداة لتنزيل المقاصد الشرعية على الواقع، وأن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا حين تتكامل القيم مع التشريعات، والرؤية مع المؤسسات، والقيادة مع الإنسان.
واليوم، لا تمثل منصة المرأة البحرينية مجرد إنجاز تقني جديد، بل تعبر عن مرحلة متقدمة من مراحل بناء الدولة الحديثة؛ دولة تؤمن بأن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، وإنما شريك كامل في صناعة مستقبله، وأن توثيق عطائها هو توثيق لذاكرة الوطن، وحفظ لإنجازاته، واستثمار في أجياله القادمة.
ما حققته المرأة البحرينية من حضورٍ مشرف وإنجازاتٍ متواصلة لم يكن ليتحقق لولا الرؤية الاستراتيجية والدعم المتواصل من صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك البلاد المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، التي كرست جهودها لترسيخ مكانة المرأة البحرينية، وتحويل تمكينها إلى مشروع وطني مؤسسي يقوم على التخطيط والشراكة والاستدامة. فاستحقت سموها بكل جدارة التقدير والامتنان على ما قدمته من إسهامات رائدة أسهمت في تعزيز دور المرأة في مختلف ميادين العمل الوطني، وجعلت التجربة البحرينية نموذجاً يحتذى به في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين قيم المجتمع ومتطلبات التنمية المستدامة.