بينما كنت أقلّب صفحات إحدى الجرائد، استوقفني خبر عن اليوم العالمي للاحتفال بالشباب. لم يشغلني الخبر بقدر ما أثاره في ذهني من سؤال: هل يشعر شباب اليوم بهوية واضحة ومحددة؟ وهل يمكن أن نصف الجيل الصاعد، الذي يُعرف بجيل «زد»، بسمات إنسانية وثقافية راسخة، أم أن الصورة أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى؟
لا أحد ينكر أن هذا الجيل يمتلك قدرات استثنائية. فهو الأسرع في التعامل مع التكنولوجيا، والأقدر على التعلم الذاتي، والأكثر انفتاحاً على العالم. يستطيع أن يصل إلى معلومة في ثوانٍ، وأن يتقن مهارة جديدة عبر شاشة هاتفه، وأن يتواصل مع ثقافات متعددة دون أن يغادر غرفته. لكنه في المقابل يعيش في عالم شديد السرعة، حتى أصبحت القرارات المصيرية نفسها تُتخذ أحياناً بعجلة؛ فمنهم من يندفع إلى الزواج سريعاً، ثم يكتشف بعد فترة قصيرة أنه لم يكن مستعداً، فينتهي الأمر بالطلاق. ومنهم من يغيّر دراسته أو عمله أو حتى قناعاته بصورة متكررة، وكأن الاستقرار أصبح مفهوماً بعيداً عن حياته.
قد يفسر البعض هذه الظواهر بأنها نتيجة التطور التكنولوجي أو ضغوط الحياة الاقتصادية، لكنني أرى أن هناك سبباً أعمق، يتمثل في غياب القدوة الحقيقية. فالإنسان، مهما بلغ من العلم والمعرفة، يحتاج إلى نموذج يقتدي به، يراه أمامه فيتعلم منه معنى النجاح، وقيمة الصبر، وأخلاق المسؤولية.
تذكّرت في هذا السياق حديث رجل الأعمال نجيب ساويرس في إحدى المقابلات التلفزيونية، حين تحدث بتقدير كبير عن معلّم كان نقطة التحول في حياته. لم يكن ذلك المعلّم مجرد ناقل للمعلومات، بل كان صاحب أثر إنساني، انتشله من دائرة الفشل، وأعاد إليه الثقة بنفسه، حتى أصبح أحد أبرز رجال الأعمال في المنطقة. هذه القصة تختصر حقيقة مهمة، وهي أن الأشخاص لا يصنعهم العلم وحده، بل تصنعهم أيضًا الشخصيات التي تؤمن بهم وتدفعهم إلى الأمام.
لقد كانت الأجيال السابقة تجد القدوة في الأسرة، وفي المدرسة، وفي المعلّم، وفي المثقف، وفي الشخصيات العامة التي ارتبط اسمها بالعلم أو الفكر أو الوطنية. أما اليوم فقد تبدلت الموازين. أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تقدّم آلاف النماذج المتناقضة، واختلط المؤثر الحقيقي بصانع المحتوى، وأصبح عدد المتابعين معياراً للنجاح، لا قيمة الفكرة ولا جودة الإنجاز. وفي ظل هذا الضجيج، يجد الشاب نفسه أمام نماذج كثيرة، لكنه نادراً ما يجد قدوة تمنحه المعنى والاتجاه.
وليس المقصود بالقدوة أن تكون شخصية معصومة من الخطأ، بل إنساناً صادقاً في تجربته، يتحمل مسؤولية أفعاله، ويقدم نموذجاً عملياً للأخلاق والاجتهاد. فالقدوة ليست خطبة تلقى، بل سلوك يُرى ويُعاش. ولهذا فإن مسؤولية بناء القدوات لا تقع على المدرسة وحدها، بل تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى الإعلام، والمؤسسات الثقافية، والجامعات، وحتى الشخصيات العامة التي تدرك أن كلماتها وتصرفاتها تؤثر في ملايين الشباب.
إن هوية أي جيل لا تتشكل بالشعارات، ولا بالاحتفال بيوم عالمي للشباب، وإنما تتشكل بما يراه الشباب في واقعهم من نماذج تستحق الاحترام. فإذا أردنا جيلاً واثقاً بنفسه، قادراً على اتخاذ قرارات متزنة، ومتمسكاً بقيمه رغم انفتاحه على العالم، فعلينا أن نعيد الاعتبار لفكرة القدوة. فالأمم التي تنجح في صناعة قدواتها، تنجح في صناعة مستقبلها، أما الأمم التي تترك أبناءها يبحثون عن نماذجهم وسط فوضى العالم الرقمي، فإنها تخاطر بأن تفقد ملامح هويتها جيلاً بعد جيل.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كيف نفهم جيل «زد»؟ بل: أي قدوة نقدم له؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون المفتاح الحقيقي لاستعادة الهوية الإنسانية التي تميز كل جيل، وتمنح الشباب القدرة على صناعة مستقبلهم بثقة ووعي.
غير أن الحديث عن القدوة لا ينبغي أن يظل مفهوماً عاماً أو مجرد أمنية، بل يجب أن يقودنا إلى السؤال الأهم: من هو النموذج الذي يستحق أن يكون قدوة على المستوى الاجتماعي والإنساني والمهني؟ الإجابة لا تحتاج إلى كثير من البحث؛ إنها شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكن قائداً دينياً فحسب، بل كان نموذجاً متكاملاً للإنسان في مختلف مراحل حياته. فقد كان الابن البار، والزوج الرحيم، والأب الحنون، والصديق الوفي، والقائد العادل، والتاجر الأمين، والمربي الذي صنع رجالاً غيّروا وجه التاريخ.
لكن المشكلة ليست في غياب هذا النموذج، وإنما في الطريقة التي نقدمه بها إلى الشباب. فكثيراً ما يُقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم من خلال سرد الأحداث التاريخية أو التركيز على المعجزات، بينما يحتاج شباب اليوم إلى أن يروه إنساناً عاش تحديات تشبه ما يواجهونه، واتخذ قرارات صعبة، وأدار الخلاف بالحكمة، وتعامل مع النجاح بتواضع، ومع الإيذاء بالصبر، ومع الاختلاف بالرحمة. إنهم يحتاجون إلى أن يكتشفوا كيف بنى فريق عمل من شباب في مقتبل العمر، وكيف منحهم الثقة، وكيف جعل من القيم أساسًا للنجاح قبل أن يجعل النجاح غاية في ذاته.
إن تقديم السيرة النبوية بهذه الصورة الإنسانية والعملية يجعلها أكثر قرباً إلى وجدان الشباب. فبدل أن تكون أحداثاً محفوظة في كتب التراث، تصبح دروساً حية في القيادة، وإدارة الوقت، والصدق، وتحمل المسؤولية، واحترام المرأة، وقبول التنوع، وبناء العلاقات، والتوازن بين العبادة والعمل والحياة. وعندما يدرك الشاب أن هذه القيم ليست مجرد مبادئ مثالية، بل هي التي صنعت أعظم تجربة حضارية في التاريخ الإسلامي، فإنه سيجد في النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الأقرب إلى قلبه وعقله معاً.
إن أزمة الهوية التي يعيشها كثير من الشباب لن تُحل بمجرد الدعوة إلى التمسك بالماضي أو الانبهار بالحاضر، وإنما بإحياء النموذج الذي يجمع بين الأصالة والإنسانية والقدرة على مواكبة الحياة. وكلما نجحنا في تقديم الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه نموذجاً عملياً للحياة، لا مجرد شخصية تاريخية تُذكر في المناسبات، اقترب الشباب منه، واستعادوا البوصلة التي يحتاجون إليها في زمن تتعدد فيه النماذج وتتشابك فيه الأصوات.
علينا أن ندرك ونعي أن الأمم لا تبني مستقبلها بالثروة وحدها، ولا بالتكنولوجيا وحدها، وإنما تبنيه بالإنسان. والإنسان لا ينمو إلا إذا وجد قدوة يثق بها. وإذا كان شباب اليوم يبحثون عن نموذج يمنحهم المعنى قبل النجاح، ويعلمهم كيف يعيشون قبل أن يعلمهم كيف يربحون، فلن يجدوا أصدق ولا أكمل من محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه القرآن الكريم بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). من هذا المنطلق تبدأ الهوية، ومن هذا المنطلق يبدأ المستقبل.