أميرة صليبيخ

لطالما أسرتني البساطة في كل تجلياتها، في شابٍ ينهض من مقعده لمسن، وفي موظفٍ يترك مكتبه ليُرشد مراجعاً تائهاً، في بسط اليد بالعطاء دون منّة، في الكلمة اللطيفة التي تقال في وقتها، وفي الابتسامة التي تبدد عناء يوم طويل، وفي الاعتذار الصادق الذي لا تسبقه المبررات.

أدركت أن البساطة هي القدرة على اختزال التعقيد وجعل حياة الآخرين أكثر سهولة، لأنك لا تبحث عن الإعجاب، بل عن الأثر. ولهذا السبب، استوقفني مؤخراً مفهوم «إعادة هندسة الإجراءات» الذي تتبناه الحكومة بهدف تحسين تجربة المستفيد ورفع كفاءة الخدمات، من خلال تقليل الخطوات وتبسيط الإجراءات للحد من الهدر في الوقت والجهد والموارد.

فالفكرة لا تقوم على تبسيط الإجراء فحسب، بل على إعادة التفكير فيه من الأساس، وطرح سؤال هام: لماذا نقوم بهذا الإجراء بهذه الطريقة؟ وهل يمكن الوصول إلى النتيجة ذاتها بطريقة أكثر بساطة وكفاءة؟

وهذا المفهوم لا يختلف كثيراً في جوهره عن البساطة التي أحبها في تفاصيل الحياة. فإذا كانت البساطة تعني أن تسهل الأمور على الآخرين، فإنها في العمل الحكومي تعني أن تسهل تجربة المستفيد، وأن تتمحور الخدمات حول الإنسان، لا حول الإجراء فقط. فالتبسيط ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ثقافة تقوم على مراجعة الأساليب وتحسينها، واختصار الخطوات من أجل الوصول للهدف المطلوب. ومن هنا وجدت نفسي أتساءل: إذا كان هذا الأسلوب قادراً على تطوير الخدمات الحكومية، فلماذا لا نطبقه على حياتنا أيضاً؟ فكم من الوقت نهدره في تفاصيل لا تضيف أي قيمة حقيقية لحياتنا.

فحين تصبح البساطة منهجاً راسخاً، لا تتحسن الخدمات الحكومية فحسب، بل ترتقي جودة الحياة أيضاً وينظر الجميع لكافة التعقيدات أو التحديات فرصاً مثالية للتطوير والتحسين، وبذلك نعمل جميعاً وفق هذا الفكر من أجل اختصار المسافة بين الفكرة والإنجاز وبين الرؤية والتطبيق، وهذا هو المقياس الحقيقي لنجاح أي حكومة تسعى إلى صناعة مستقبل أكثر كفاءة وإنسانية.

ولعل ما تشهده مملكة البحرين اليوم من جهود متواصلة في تطوير الخدمات وإعادة هندسة الإجراءات وتبسيطها يؤكد أن الحكومات لا تقيمّ بالإجراءات التي تضعها فحسب بل بقدرتها على تحويل خدماتها إلى تجربة أكثر إنسانية تختصر عليهم الطريق وتسهل حياتهم، وبذلك يصبح الوقت الذي نوفره للناس أحد أهم أشكال التنمية.