حنان الخلفان

لا يموت الإنسان مرتين. يموت مرة عندما يتوقف قلبه، ومرة أخرى عندما تتحول قصته إلى خبر يتداوله الناس أياماً، ثم يطويه النسيان دون أن يتغير شيء.

رحم الله تلك الشابة التي رحلت وهي في مقتبل العمر، وألهم أهلها وذويها الصبر والسلوان. رحلت تاركةً طفلين سيكبران وهما يحملان سؤالاً قد لا يجدان له إجابة. وبينما لاتزال الجهات المختصة تتابع ملابسات القضية، يبقى الألم إنسانياً قبل أن يكون قانونياً، وتبقى الحقيقة حقاً للجميع.

لكن هذه القضية تفرض علينا سؤالاً أكبر من القضية نفسها:

ماذا بعد انتهاء التحقيق؟

قد نعرف من أخطأ، وقد تثبت المسؤولية أو تنتفي، لكن هل يكفي ذلك؟ وهل تكتمل العدالة عندما يُغلق ملف القضية، أم عندما تتحول نتائجه إلى إجراءات جديدة تمنع تكرار المأساة وتحمي المريض القادم؟

الطب من أكثر المهن شرفاً، لأنه يتعامل مع أغلى ما يملكه الإنسان؛ حياته. ولذلك فإن آلاف الأطباء والممرضين والكوادر الصحية يستحقون كل التقدير لما يقدمونه يومياً من جهود عظيمة في إنقاذ الأرواح. وفي الوقت نفسه، فإن أي منظومة صحية، مهما بلغت كفاءتها، ليست بمنأى عن الخطأ. فوجود الخطأ لا يهز الثقة بقدر ما يهزها غياب القدرة على التعلم منه.

ولعلنا نستفيد من قطاع أثبت نجاحه في إدارة الأخطاء. ففي مجال الطيران، لا يُنظر إلى الحوادث باعتبارها نهاية القصة، بل بدايتها؛ إذ تقود كل حادثة إلى مراجعة الإجراءات، وتحديث الأدلة التشغيلية، وتطوير برامج التدريب، حتى أصبح السفر بالطائرة اليوم من أكثر وسائل النقل أماناً. ولو اكتفى العالم بمعرفة سبب كل حادثة دون أن يغيّر ما بعدها، لما أصبحت الطائرة رمزاً للأمان. فلماذا لا تتحول كل قضية طبية إلى فرصة لتحديث البروتوكولات، ومراجعة الإجراءات، واستخلاص الدروس التي تحمي المرضى مستقبلًا؟

وهنا يبرز الدور المهم الذي تقوم به الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية (NHRA)، التي وفرت قنوات للإبلاغ عن المخالفات الطبية بسرية تامة، وهي خطوة تستحق الإشادة. لكن المرحلة المقبلة قد تتطلب توسيع الوعي بهذه القنوات داخل المؤسسات الصحية، من خلال حملات دورية تؤكد لكل طبيب، وممرض، وفني، وإداري، أن حماية المريض مسؤولية مشتركة، وأن الإبلاغ عن أي خلل قد يهدد سلامة المرضى ليس موقفاً ضد زميل، بل موقفاً مع المريض ومع المهنة، وأن السرية التي توفرها الهيئة ضمانة تشجع على كشف الخلل قبل أن يتحول إلى مأساة. فالصمت لا يحمي سمعة المهنة، بل قد يحمي الخطأ من أن يُكتشف.

وبصراحة، لا أريد أن يكون أكبر إنجاز في هذه القضية هو معرفة من أخطأ، فهذه مهمة التحقيق والجهات المختصة. ما أريده حقاً هو أن يخرج من كل قضية إجراءٌ جديد، أو بروتوكولٌ أفضل، أو تدريبٌ أكثر كفاءة، أو ثقافةٌ مهنية تجعل الخطأ القادم أقل احتمالاً من سابقه. فنجاح أي منظومة صحية لا يُقاس بأنها لا تخطئ أبداً، فهذا أمر لا تدّعيه حتى أكثر الأنظمة الصحية تقدماً، وإنما يُقاس بقدرتها على أن تجعل الخطأ نفسه لا يتكرر مرتين.

فالخطأ الأول قد يكون مأساة.. أما الخطأ الثاني فهو فشل في التعلّم.