حنان الخلفان

كم مرة أجلنا معاملة؛ لأن يومنا كان مزدحماً؟ وكم مرة اضطررنا إلى أخذ إذن من العمل، أو تأجيل موعد، أو الوقوف في طابور طويل من أجل إجراء لا يستغرق اليوم سوى دقائق؟ لسنوات طويلة كانت هذه تفاصيل اعتدنا عليها، حتى أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية. لكن ما تغير اليوم لا يقتصر على طريقة تقديم الخدمة، بل على الطريقة التي أصبحنا نعيش بها يومنا.

لم يعد أكثر ما يميز المباني الحكومية هو عدد المراجعين أمام أبوابها، بل عدد من لم يعودوا بحاجة إلى الحضور أصلاً. وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي للتحول الرقمي؛ أن تختفي الخطوات غير الضرورية، وأن يعود الوقت إلى صاحبه.

وربما أفضل مثال على ذلك هو تطبيق حكومتي، الذي جمع عشرات الخدمات الحكومية في مكان واحد، وأصبح يتيح للمواطن والمقيم الوصول إلى وثائقه الرسمية، وإنجاز معاملاته، وسداد الرسوم، ومتابعة خدماته من هاتفه أينما كان. ولم تعد رحلة الخدمات الحكومية تبدأ عندما يحتاج الإنسان إلى معاملة، بل أصبحت ترافقه منذ بداية حياته؛ فحتى المولود الجديد أصبحت أسرته قادرة على إنجاز عدد من إجراءاته الأساسية رقمياً، لتستمر هذه الخدمات معه في مختلف مراحل حياته.

وراء هذا التطور تقف جهود متواصلة تقودها هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، بالتعاون مع مختلف الوزارات والهيئات الحكومية التي تواصل إضافة خدماتها وتطويرها. فكل خدمة جديدة تُدرج في التطبيق لا تعني مجرد تحديث تقني، بل تعني زيارة أقل، ووقتًا أوفر، وإجراءً أسهل لمواطن أو مقيم.

ولأن احتياجات المجتمع تتطور باستمرار، فإن تطوير الخدمات الرقمية لم يعد خيارًا، بل عملية متواصلة تواكب تطلعات المواطنين والمقيمين. وكلما أصبحت الخدمات أكثر تكاملًا وسهولة، انعكس ذلك على كفاءة الأداء الحكومي، وسرعة إنجاز المعاملات، وتعزيز ثقة المستفيدين في الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة، بما يرسخ ثقافة الاعتماد على الحلول الرقمية، ويشجع على الاستفادة منها في مختلف جوانب الحياة اليومية.

ولعل أجمل ما في التحول الرقمي أنه لا يجبر الناس على تغيير أسلوب حياتهم، بل يغيّر هو طريقة تقديم الخدمة لتناسب حياتهم. فليس المهم عدد التطبيقات أو الخدمات التي أُطلقت، بل عدد المرات التي لم يعد فيها المواطن مضطراً إلى مراجعة أكثر من جهة، أو حمل ملف من الأوراق، أو الانتظار لإنجاز معاملة كان يمكن إنجازها بضغطة زر.

وبصراحة، فإن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الخدمات الإلكترونية، ولا بعدد التطبيقات التي نستخدمها، بل بالوقت الذي عاد إلى الناس. فعندما تختصر التقنية ساعات من الانتظار والتنقل، فإنها لا توفر الجهد فحسب، بل تمنح الإنسان فرصة أكبر لعمله، وأسرته، وحياته.

ومن هنا، فإن كل الشكر والتقدير لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية على قيادتها لمسيرة التحول الرقمي، وإلى جميع الوزارات والهيئات الحكومية التي أسهمت في إثراء تطبيق «حكومتي» بخدماتها، إيمانًا بأن تطوير الخدمات ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتسهيل حياة الناس. وعندما يصبح الوقت هو أكبر إنجاز حققته الحكومة الرقمية، فإننا ندرك أن ما تحقق لم يكن مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة، بل خطوة حقيقية نحو جودة حياة أفضل، تؤكد أن الاستثمار في التقنية هو استثمار في الإنسان أولاً وأخيراً.