لا أعرف مشروباً اتفق العالم على حبه مثل القهوة. والدليل على ذلك هو أعداد المقاهي ومحلات بيع البن التي تكاثرت في كل مكان بشكل جنوني، حتى أصبحت القهوة مظهراً من مظاهر الذوق الراقي والمزاج العالي، ولدى البعض جزءاً من هويته الثقافية أيضاً. فصارت هي الحجة التي يلتقي من أجلها الناس، وإحدى الطرق للتعبير عن المودة والامتنان للآخرين، وبذلك تحولت من مجرد مشروب عادي إلى عادة يومية تدخل في كل تفاصيل الحياة، ولا يكاد يمر يوم بدونها. ولا بأس في ذلك، فلكل إنسان عاداته الصغيرة التي تمنحه شيئاً من السلام وسط الحياة الصاخبة، لكن المشكلة تبدأ حين تتجاوز القهوة حدود المتعة، لتصبح عذراً نعلّق عليه سوء تصرفاتنا مع الآخرين عندما لا نشربها.
فالناس أصبحوا أسرى لأكواب القهوة هذه، ومنحوها سلطة عظمى على مزاجهم وأخلاقهم، فصار هذا المشروب الأسمر سيد المزاج، وحارس الأخلاق، وصاحب الكلمة الأخيرة في التعامل مع الناس! فالأخلاق معطلة حتى يحين موعد شرب القهوة، وكأن مظاهر الاحترام مستخلصة من البن المطحون!
وما أكثر الأشياء التي تبدأ كعادة لنا، ثم تنتهي محكمة بقبضتها علينا. وما القهوة إلا واحدة منها، نستعين بها لنبدأ يومنا، ثم لا تلبث أن تملك الحق في تقرير مزاجنا وأخلاقنا.
المعذرة أخي الكريم، فالحياة لن تنتظر حتى تفرغ من شرب قهوتك وإعادة ضبط مزاجك، ولا يمكنك تبرير عبوسك وانفعالك وقلة صبرك لأنك لم تشرب قهوتك بعد. لا تجعل القهوة شماعة! وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في شهر رمضان، حيث يتحول موسم العبادة إلى موسم للعصبية بحجة الجوع أو غياب القهوة، مع أن الصيام شرع لتهذيب النفس والأخلاق، لا لوضعهما في حالة (وقف تنفيذ) حتى موعد أذان المغرب.
فالأخلاق ليست هواية تمارسها عندما يكون مزاجك جيداً، لأن الاختبار الحقيقي يظهر في المواقف، في وقت التعب، والألم، وتحت أي ظرف آخر. فهناك، تحديداً، يظهر جوهرك الحقيقي.
تستطيع القهوة أن تنعش مشاعرنا، لكنها لن توقظ ضمائرنا، ولن تمنحنا أخلاقاً لم نتحل بها من الأساس. فما يبقى في ذاكرة الآخرين ليس نوع قهوتك، ولا نوع البن الذي تفضله، بل أثر كلماتك، ورقي تعاملك، والاحترام الذي قدمته لهم حتى في أصعب لحظاتك. فالأخلاق لا تبدأ بكوب القهوة، بل منك أنت. فأنت الكوب الحقيقي، وما يتجرعه الآخرون منك كل يوم ليس قهوتك، بل ما في نفسك من أخلاق.