- - إرهاب إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن خلّف عشرات الآلاف من الضحايا
- - النظام الإيراني عدو المنطقة ومشروعه التوسعي لم يجلب سوى الحروب والخراب
- - منذ «الثورة الإسلامية».. تدخلات إيران تغذي الصراعات وتقوّض استقرار الدول العربية
- - شعارات طهران الدينية غطاء لمشروع إقليمي قائم على السلاح والميليشيات
- - خبراء: إيران عنونت جمهوريتها بـ«الإسلامية» ثم لم تحارب وتقتل إلا المسلمين
- - أربعة عقود من التدخلات الإيرانية.. ضحايا بالملايين ودول عربية تدفع ثمن مشروع الهيمنة
وثقت تقارير لمنظمات أممية وأهلية الضحايا من المسلمين؛ بسبب تدخلات إيران في الدول العربية، حيث تجاوز ما تم رصده بالأرقام والأسماء 1.1 مليون قتيل من بينهم أكثر من 22 ألف طفل، إلى جانب مئات الآلاف من المصابين والمهجرين.
وأجمع خبراء ومحللين سياسيين على أن إيران التي عنونت جمهوريتها بـ«الإسلامية» قد قتلت من المسلمين خلال ثلاثة عقود ما لم تفعله أي دولة أخرى، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة، مستشهدين في ذلك بتاريخها الدموي بداية من الحرب مع العراق، ثم دعم ميليشيات مسلحة وتسببها في قتل عشرات الآلاف من العراقيين المسلمين من خلال حرب أهلية اعتمدت على ولاية الفقيه وتأجيج الطائفية، مروراً بدعمها للنظام السوري منذ عام 2011 وتسببها في مقتل مئات الآلاف من المسلمين السوريين وتشريد نصف الشعب السوري، وتدخلاتها المتواصلة في لبنان عبر ذراعها «حزب الله» الإرهابي والتسبب في حرب أهلية وزعزعة استقرار ومقتل آلاف اللبنانيين، وصولاً إلى اليمن التي عانت بسبب تدخلات إيران ودعمها لميليشيات الحوثي وتسببها في مقتل آلاف المسلمين اليمنيين وتشريد عشرات الآلاف منهم والاعتداء على الجارة المملكة العربية السعودية وتهديد الملاحة الدولية بمضيق باب المندب بأسلحة ودعم مباشر من إيران.
أرقام موثقة لمنظمات دولية
ورغم تفاوت الأزمنة الممتدة لخمسة عقود، والأماكن المتوزعة على 4 دول عربية «إسلامية»، إلا أن الأرقام لا تعبر عن الرقم الحقيقي والمحدد للقتلى والضحايا الذين تسببت إيران وأذرعها فيما حدث لهم، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
هذه الأرقام التي وثقتها تقارير الأمم المتحدة (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، اليونيسف، وتقارير الأمين العام حول الأطفال والنزاعات المسلحة)، ومنظمات حقوقية دولية (هيومن رايتس ووتش، المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان)، ومراكز رصد محلية (المرصد السوري لحقوق الإنسان)، إضافة إلى تغطيات صحفية موثوقة.
ولا تقتصر أرقام القتلى والضحايا والجرائم الإنسانية الأخرى، ومن أبرزها «تجنيد الأطفال ومنع عودة النازحين» على الدور الإيراني المباشر، ولكن مضاف إليها الأذرع العاملة في الدول العربية مثل: (الحشد الشعبي في العراق، حزب الله في لبنان، جماعة الحوثي في اليمن، وفصائل مدعومة إيرانياً كـ»فاطميون» و»زينبيون» وحزب الله السوري في سوريا).
العراق
يمتد أثر إيران على العراق منذ بداية الحرب في ثمانينيات القرن الماضي، والتي استمرت قرابة ثماني سنوات، حيث قدرت مصادر توثيقية عدد القتلى من العراق في تلك الحرب بقرابة 266 ألف عراقي.
ثم توسّع النفوذ الإيراني في العراق بشكل كبير بعد عام 2003، عبر عشرات الفصائل المسلحة والتي يقدَّر عددها بأكثر من 60 فصيلاً مرتبطاً بإيران تمويلاً وتسليحاً وتدريباً، وأبرزها فصائل منضوية تحت مظلة «هيئة الحشد الشعبي»، والتي ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، بذريعة قمع الاحتجاجات.
ووثّقت تقارير حقوقية ودولية اتهامات محددة لفصائل مدعومة من إيران بمنع نازحين من العودة إلى مناطقهم وبتفجير منازلهم، بذريعة احتضان تلك المناطق لعناصر داعش، وأعربت الأمم المتحدة في أكتوبر 2016 عن قلقها من إجبار السلطات في كركوك نحو 250 عائلة نازحة من العرب على مغادرة المدينة، ووصفت ذلك بأنه «عقاب جماعي».
كما منعت ميليشيات الحشد الشعبي - بحسب تقارير متعددة - سكان نحو 13 قرية وبلدة عراقية من العودة إلى مناطقهم بعد «التحرير» من داعش، ودمّرت منازل وبنى تحتية بذريعة التعاون المزعوم مع التنظيم.
ورصدت تقارير محلية استهداف فصائل موالية لإيران بقذائف الهاون لمناطق في ديالى أدى إلى نزوح نحو 227 أسرة، وتم تهجير سكان منطقة «جرف الصخر» بالكامل ومُنعوا من العودة.
تجنيد الأطفال وحرمان من التعليم
ولم يقف الأمر عند القتل، ولكن وثّقت هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة حالات تجنيد لأطفال دون سن الثامنة عشرة من قبل فصائل تابعة للحشد الشعبي، خصوصاً خلال معركة الموصل ضد داعش (2016-2017)، حيث شوهد أطفال يرتدون زي قوات الأمن يقاتلون قرب خطوط المواجهة.
وأظهرت تقارير محلية تدريب علني لأطفال دون الثامنة عشرة من قبل فصائل الحشد الشعبي، بذريعة «تعليمهم الدفاع عن أنفسهم ومناطقهم»، وأكدت مصادر داخل الحشد صحة الوقائع دون نفيها.
وتسبب النزوح الجماعي الناجم عن منع عودة النازحين من قبل بعض الفصائل - بحسب باحثين ومنظمات محلية - في حرمان أعداد كبيرة من الأطفال في المناطق المتضررة من الالتحاق المنتظم بالمدارس لسنوات، إضافة إلى تحويل عدد من المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين أو مقار عسكرية خلال سنوات النزاع.
سوريا
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، دعمت إيران نظام بشار الأسد عسكرياً ولوجستياً عبر الحرس الثوري الإرهابي، وحزب الله اللبناني، و«حزب الله السوري»، إضافة إلى ميليشيات أجنبية جُنّد مقاتلوها أساساً من لاجئين ومهاجرين، أبرزها «لواء فاطميون» و«لواء زينبيون».واعترف الأمين السابق للحزب حسن نصر الله علناً بالمشاركة في القتال بسوريا، مبرراً ذلك بضرورة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» ثم لاحقاً بالدفاع عن «محور المقاومة» ككل.
ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل نحو 388-389 ألف شخص منذ 2011 حتى مطلع 2021، بينهم نحو 117 ألف مدني، ضموا بينهم نحو 22 ألف طفل و14 ألف امرأة.
وأشارت تقديرات أممية وحقوقية أخرى إلى أن الحصيلة الإجمالية للقتلى طوال سنوات الحرب تجاوزت 500 ألف قتيل، فيما أُجبر نحو 12.3 مليون شخص على الفرار من سوريا منذ 2011 وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، من بينهم نحو 6.7 مليون نازح داخلياً.
وشكّلت معركة القصير في ريف حمص عام 2013 نقطة التحول الأبرز في هذا التدخل، حين قاد حزب الله، بدعم مباشر من فيلق القدس الإيراني بقيادة قاسم سليماني آنذاك، عملية عسكرية واسعة، خلفت 1,257 قتيل من المسلمين وإصابة 1,192 واختفاء قسري لأكثر من ألف مواطن.
وأفاد مسؤول بالمرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الدعم الإيراني للنظام السوري «لم يكن مجانياً»، بل هدف إلى توطين ميليشيات موالية لإيران، من حزب الله وفصائل أخرى، في مناطق بدمشق وجنوب سوريا، ما ارتبط بموجات تهجير سكانية في تلك المناطق.
كذلك وثّقت هيومن رايتس ووتش تجنيد «لواء فاطميون» المدعوم من إيران لأطفال أفغان لم تتجاوز أعمار بعضهم 15 عاماً للقتال في سوريا، عبر استهداف مهاجرين ولاجئين أفغان في إيران بوعود مالية وتسوية أوضاعهم القانونية، بما في ذلك إلغاء أحكام سجن مقابل القتال، وهو ما يصنف بموجب القانون الدولي العرفي، جريمة حرب، ووثّقت هيومن رايتس ووتش مقتل مقاتلين لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً ضمن هذه الصفوف.
وتطاول الأمر إلى حرمان أطفال من التعليم، حيث قدّرت اليونيسف في فبراير 2026 أن نحو 2.45 مليون طفل سوري ما زالوا خارج المدارس، فيما يواجه 1.6 مليون آخرون خطر التسرب؛ بسبب تضرر البنية التحتية والفقر والنزوح المتكرر.
ودُمِّرت نسبة كبيرة من البنية التحتية التعليمية في سوريا، فيما تحول جزء منها إلى ملاجئ للنازحين، أو وقعت تحت سيطرة جماعات مسلحة، كما قدّرت الأمم المتحدة وجود نحو مليون طفل خارج المدرسة، في شمال غرب سوريا وحده، وهو ما أنتج جيلاً كاملاً غير متعلم في سوريا.لبنان
تأسس حزب الله في لبنان عام 1982 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وذلك بمظلة سورية ودعم إيراني مباشر، فأرسلت إيران في تلك المرحلة نحو 1,500 عنصر من الحرس الثوري الإرهابي إلى منطقة البقاع اللبناني بهدف تنظيم وتدريب جماعات على القتال وحمل السلاح.
ويقوم حزب الله عقائدياً على مبدأ «ولاية الفقيه»، وقد جاء في بيانه الصادر في فبراير 1985 التزامه الصريح بـ»قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه... روح الله الموسوي الخميني»، وهو ما يعكس التبعية العقائدية المباشرة للحزب لمرجعية طهران الدينية والسياسية منذ تأسيسه، بخلاف الفصائل الأخرى التي طورت علاقتها مع إيران تدريجياً.
واتهم مسؤولون لبنانيون حزب الله الإرهابي بجر البلاد إلى صراعات لصالح النظام الإيراني بواسطة الدعم العسكري والمالي المستمر منذ تأسيسه، فيما تورطت الحزب بانفجار مرفأ بيروت، بحسب تقارير أكدت تخزين أسلحة في موقع الحادث، وقد نفى الحزب هذه الاتهامات، لكن أعضاءه شاركوا في تظاهرات عارضت مسار التحقيق الرسمي، ونفذت الوحدة 121 التابعة للحزب سلسلة من عمليات الاغتيال استهدفت شخصيات لبنانية كانت قد فضحت تورطهم بالانفجار.
اليمن
تدعم إيران جماعة الحوثي التي سيطرت على صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن منذ عام 2014، عسكرياً بالأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة وتدريباً عبر الحرس الثوري وحزب الله، في نزاع أدى إلى ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
وقدّرت مفوضية الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن النزاع في اليمن أودى بحياة نحو 233 ألف شخص حتى نهاية 2019، بينهم قتلى مباشرون في القتال وضحايا الأسباب غير المباشرة كالجوع ونقص الرعاية الصحية.
ورفعت الأمم المتحدة تقديراتها لاحقاً إلى نحو 377 ألف قتيل بنهاية عام 2021، منهم نحو 150800 قتيل بفعل مباشر للأعمال القتالية، محذرة من أن استمرار النزاع حتى 2030 قد يرفع الحصيلة إلى 1.3 مليون قتيل من المسلمين.
وبحسب التقرير الأممي ذاته، كان يموت طفل يمني دون سن الخامسة كل 9 دقائق بسبب النزاع، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية للحرب نحو 126 مليار دولار.
وفي المرحلة الأولى للنزاع حتى سبتمبر 2015، سجّل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 5248 قتيلاً و26191 مصاباً، بينهم أكثر من 2000 مدني من بينهم 400 طفل.
وبحسب منظمة الهجرة الدولية، بلغ عدد النازحين داخلياً في اليمن أكثر من 2.3 مليون شخص بحلول أواخر 2015 فقط، إضافة إلى نحو 250 ألف لاجئ خارج البلاد.
واستمر النزوح في التصاعد مع الحصار الحوثي على مدن مثل تعز منذ 2015، ومعارك مأرب لاحقاً؛ إذ سُجّل فرار أكثر من 45 ألف نازح إضافي من مأرب وحدها خلال أشهر معدودة في إحدى موجات التصعيد، ويعيش حالياً أكثر من 4.5 مليون نازح داخلي في اليمن وفق تقديرات حديثة، وسط تدهور متواصل للأوضاع المعيشية ونقص التمويل الإنساني.
وعلى صعيد تجنيد الأطفال، فقد وثّقت الأمم المتحدة تجنيد نحو 3995 طفلاً في اليمن حتى نهاية 2022، وقدّر تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومنظمة “سام” للحقوق والحريات تجنيد جماعة الحوثي نحو 10300 طفل إجبارياً منذ عام 2014، محذرة من أن ذلك يرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي.
كذلك وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن مقتل 1406 أطفال جنّدهم الحوثيون في ساحات القتال خلال عام 2020 وحده، ومقتل 562 طفلاً إضافياً حتى منتصف عام 2021.
وتحققت الأمم المتحدة من 1851 حالة فردية على الأقل لتجنيد الأطفال أو استخدامهم من قبل الحوثيين منذ عام 2010، مع تسجيل تصاعد ملحوظ في وتيرة التجنيد منذ أكتوبر 2023.
ووفق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة حول الأطفال والنزاعات المسلحة صدر في 2025، جرى التحقق من 742 حالة انتهاك جسيم بحق الأطفال في اليمن نُسب أغلبها للحوثيين، شملت تجنيد 127 طفلاً، ومقتل 28 طفلاً وإصابة 69 آخرين، واحتجاز 3 أطفال واغتصاب طفلين.وضمن جريمة الحرمان من التعليم، أفادت اليونيسف بأن أكثر من 2 مليون طفل يمني في سن الدراسة باتوا خارج المدارس، وقدّرت المنظمة أن نحو 6 ملايين طالب وطالبة يعانون اضطرابات في تعليمهم، مع تدمير أو تضرر 2916 مدرسة أو استخدامها لأغراض غير تعليمية، وعدم تقاضي نحو 172 ألف معلم رواتب منتظمة منذ 2016.
وبحسب منظمة “انتصاف” لحقوق المرأة والطفل، دُمِّرت 522 منشأة تعليمية بشكل كلي وتضررت 2460 أخرى جزئياً، وتجاوز عدد الطلاب المتضررين 5.19 مليون طالب، وباتت مدرسة من كل خمس مدارس خارج الخدمة، وتحذر منظمات دولية من أن استمرار حرمان الأطفال من التعليم يفاقم مخاطر عمالة الأطفال والزواج المبكر والتجنيد القسري، في حلقة مترابطة من الانتهاكات، التي كان أساسها إيران وذراعها الحوثي الإرهابي.
الجنيد: تاريخ دموي لاستعادة الإرث الفارسي
وقال المحلل السياسي والكاتب بصحيفة الوطن عبدالله الجنيد: «عند تناول العقيدة السياسية للنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فنحن أمام تجربة سياسية دموية عبر ادعاء سمو العرق الفارسي. ولم تنطلق هذه الفرضية من أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم تأسيس شرعيتها المعلنة على الإسلام السياسي وولاية الفقيه، إلا أنها تستبطن تصوراً تاريخياً لدور إيران بوصفها مركزاً حضارياً وقوة إقليمية مهيمنة. ووفقاً لهذا التصور، يجب أن لا يُقرأ التوسع الإيراني إقليمياً باعتباره دينياً، بل كوسيلة لاستعادة إرثها الفارسي في غرب آسيا». وأضاف: «لذلك أمعنت طهران عبر وكلائها في التطهير العرقي عبر التهجير أو القتل. وللتحقق من ذلك لنرجع إلى تقارير وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع الأمريكية التي صنفت غالبية التنظيمات العراقية الموالية لإيران بتنظيمات إرهابية. أو قرار سياسة إعادة الهندسة الاجتماعية عبر إعطاء الجنسية السورية لمقاتلين من وسط آسيا وباكستان وأفغانستان في سوريا والعراق.
الشهري: في اليمن.. قتل بالداخل وتعدٍ خارجي
وجنوباً تدخلت إيران في اليمن، وتركت فيه قتلى وجرحى تحت عباءة الدين، رغم أنها لم تقتل سوى مسلمين، حيث أوضح الكاتب والباحث في العلاقات الدولية، د.أحمد بن حسن الشهري أن الملف اليمني يُعد أحد أبرز النماذج التي تكشف خطورة التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية، وكيف يمكن لدعم جماعة مسلحة خارج إطار الدولة أن يحول خلافاً سياسياً داخلياً إلى حرب طويلة الأمد تهدد الأمن الوطني والإقليمي والدولي.
وقال الشهري: منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، قدمت إيران أشكالاً متعددة من الدعم السياسي والعسكري والفني، شملت تهريب الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة، ونقل الخبرات والتقنيات العسكرية، بما مكّن الجماعة من امتلاك قدرات عسكرية تتجاوز إمكانات أي تنظيم محلي، لتتحول إلى ذراع إقليمية تنفذ أجندة تتجاوز حدود اليمن. وقد أسهم هذا الدعم في تقويض مؤسسات الدولة اليمنية، وإطالة أمد الحرب، وتعطيل فرص الحل السياسي، وأدى إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، وتشريد الملايين، وتدمير البنية التحتية، وتفاقم إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بينما ظل الشعب اليمني هو الخاسر الأكبر.
وأضاف الباحث السعودي قائلاً: لم تتوقف آثار هذا التدخل عند الحدود اليمنية، بل امتدت إلى دول الجوار، حيث تعرضت المملكة العربية السعودية لعشرات الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي استهدفت المدن والمنشآت المدنية ومرافق الطاقة والمطارات، في انتهاك صريح للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار. كما امتدت الاعتداءات إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهددت السفن التجارية وحرية الملاحة الدولية، الأمر الذي جعل الأزمة اليمنية قضية تتجاوز الإطار المحلي إلى قضية تمس أمن التجارة العالمية وأمن الطاقة.
السعودية قابلت العداء بتقريب الفرقاء
وأشار الشهري إلى ما اتخذته السعودية في المقابل، من نهج مختلف تماماً، يقوم على تغليب الحلول السياسية وتقديم فرص السلام على منطق الحرب، حيث دعمت المملكة جميع المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى إنهاء النزاع، وأكدت أن الحل في اليمن لا يمكن أن يكون عسكرياً، بل عبر حوار يمني شامل يحفظ وحدة اليمن وسيادته، ويعيد للدولة مؤسساتها.
ونوه الشهري بالدور البحريني الإيجابي، وقال إن مملكة البحرين بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وبدعم حكومته الرشيدة، عملت على ترسيخ الموقف الخليجي الداعي إلى السلام والاستقرار. فقد أكدت البحرين، خلال رئاستها للقمة العربية، وكذلك في إطار رئاستها لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن الأمن الإقليمي لا يتحقق إلا بالحوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم الحلول السياسية وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وقال إن هذه المواقف أسهمت في تعزيز الحضور الإقليمي والدولي لمملكة البحرين بوصفها دولة تؤمن بالدبلوماسية الوقائية، وتعمل على بناء التوافقات، ودعم المبادرات الهادفة إلى إنهاء النزاعات وترسيخ الأمن والسلام، بما يعكس النهج الخليجي القائم على الاعتدال والمسؤولية والشراكة مع المجتمع الدولي.
وقارن الباحث السعودي بين النهجين وما تكشفه المقارنة من فارق واضح؛ فمن جهة، هناك مشروع يقوم على دعم الميليشيات، وتهريب الأسلحة، وإدامة الصراعات، واستخدام الجماعات المسلحة لتحقيق مكاسب سياسية. ومن جهة أخرى، هناك مشروع عربي تقوده المملكة العربية السعودية، وتسانده دول مجلس التعاون والدول العربية، ويرتكز على دعم الدولة الوطنية، والحوار، والتنمية، والعمل الدبلوماسي، والتعاون مع الأمم المتحدة للوصول إلى حلول سلمية مستدامة.
واختتم قائلاً: إن نجاح أي تسوية مستقبلية في اليمن يظل مرهوناً بوقف تدخلات إيران، وإنهاء تدفق السلاح إلى ميليشيا الحوثي، والالتزام بالمرجعيات الدولية، ودعم جهود المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، للوصول إلى سلام عادل ودائم يعيد لليمن أمنه واستقراره، ويضمن لشعبه حقه في التنمية والعيش الكريم، ويعزز الأمن والسلام في المنطقة والعالم.
تدخلات إيران في العراق
من جانبه استعرض الكاتب الصحفي بجريدة الرأي الكويتية غانم السليماني تاريخ التدخل الإيراني في الشأن العراقي منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، والدعم الفكري والعقائدي والعسكري والمالي الذي قدّمته إيران، عبر الحرس الثوري وفيلق القدس تحديداً، لفصائل وميليشيات مسلحة عراقية موالية لها، ومنذ أن تبنى نظام ثورة الخوميني سياسة «تصدير الثورة» عبر الدعوة إلى مبدأ «ولاية الفقيه» كبديل عن الانتماء القومي والوطني، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) التي خلّفت خسائر بشرية هائلة في الجانبين قدّرت بعشرات الآلاف من القتلى المسلمين بالعراق.
وقال السليماني: أسّس الحرس الثوري الإيراني عام 1983 «فيلق بدر»، وهو تشكيل عسكري من عراقيين شيعة معارضين لنظام صدام حسين، ليصبح لاحقاً الجناح المسلح لـ»المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، وقد مثل هذا التشكيل النواة الأولى للفصائل العراقية التابعة عقائدياً وتنظيمياً لإيران، والتي توسعت لاحقاً بشكل كبير بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.
ونوه السليماني إلى تقارير موثقة من منظمة العفو الدولية حول انتهاكات الحشد الشعبي خلال الفترة 2014-2017 ورصد مئات القتلى خارج القانون وعشرات آلاف النازحين، وكذلك قمع احتجاجات تشرين 2019-2020 والتي خلفت بين 400 و600 قتيل وأكثر من 19-25 ألف جريح، وقال إن هؤلاء لم يكونوا سوى مسلمين قتلتهم أذرع إيران في العراق.
الفعم: إيران أفسدت دولة الثقافة والعلوم
وأكد المحلل السياسي الكويتي رشيد الفعم تدخل الحرس الثوري بإنشاء الميليشيات والفصائل المسلحة في العراق، حيث تم التصويت على ذلك في مجلس النواب العراقي عام 2014 لتغيير مسمى الدفاع عن الوطن بأن يكون هناك مسمى آخر للجيش وهو «الحشد الشعبي» والذي شمل قرابة 67 فيصل من الفصائل الموالية لإيران، والتي كان يزورها قاسم سليماني، ويقدم لها الدعم.
ونوه الفعم بما يحدث اليوم من اعتداءات إيرانية على دول الخليج العربي، وقال: ما زلنا نخوض المعركة مع العدو الإيراني في هذه الحرب الحالية، ونواجه الطائرات المسيّرة الموجهة إلى دول مجلس التعاون من العراق ولا شك في أن هذه المسيّرات، وهذه الأسلحة تحتاج إلى مال ودعم لا يأتي إلا من الجانب الإيراني.
وأكد الفعم أن ما يحدث ليس إلا مسلسلاً لخطة معلنة منذ عام 1982 تحت مظلة ولاية الفقيه وفتاوى الحرب، واختتم قائلا: نتمنى أن يعود العراق إلى حضنه العربي، وأن ينعم بخيراته المسلوبة، وأن يعود العراق الذي كان يصدر الثقافة والعلم، وأن تعود بغداد منارة للثقافة العربية كما كانت من قبل، ولن ندخر جهداً لمساعدة إخواننا العراقيين في عودتهم إلى حضنهم العربي الأصيل.
تدخلات متشابكة في سوريا ولبنان
وفي سوريا تدخلت إيران بذراعها اللبناني حزب الله، إلا أنها طورت ذلك، ودعمته بفيلق القدس وشبكة واسعة من الميليشيات الأجنبية القتالية في سوريا، والتي قُدّر عدد مقاتليها الإجمالي بما بين 15 و20 ألف مقاتل بحسب تقارير صحفية، ومن أبرز تلك الميليشيات:لواء أبو الفضل العباس: من أوائل الفصائل التي دخلت سوريا بذريعة الدفاع عن مقام السيدة زينب، وضم مقاتلين عراقيين ولبنانيين وأفغان.
لواء فاطميون: ميليشيا مكونة من مهاجرين ولاجئين أفغان، أسسها ودرّبها الحرس الثوري الإيراني، وشاركت في معارك عدة داخل سوريا.
لواء زينبيون: ميليشيا مماثلة مكونة من مقاتلين باكستانيين، تخضع أيضاً لإشراف فيلق القدس.
الحرس الخاص لحماية بشار الأسد: ميليشيا إيرانية الصنع والمنشأ بقيادة الجنرال قاسم سليماني شخصياً، تولت تأمين سلامة الأسد وعائلته، بتعداد يقدر بنحو 1,200 مقاتل.
الشريدة: قتل وتسليح وتهجير للسوريين
وتعليقاً على البيانات والأحداث، أكد الباحث السياسي سلمان الشريدة أن التدخل الإيراني في بعض دول المنطقة لم يكن يوماً قائماً على دعم استقرار الشعوب أو حماية سيادة الدول، بل ارتبط في أغلب مراحله ببناء جماعات مسلحة موازية للدولة، تتحرك وفق مصالح طهران، وتستخدم أراضي هذه الدول كساحات نفوذ وصراع.
وأشار إلى ما حدث في سوريا، حيث لم تتعامل إيران مع الأزمة باعتبارها قضية شعب يبحث عن حل سياسي ومستقبل أكثر استقراراً، بل نظرت إليها بوصفها معركة لحماية ممرها الاستراتيجي الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق ثم بيروت. ولهذا دفعت بحزب الله وعدد من المليشيات الأجنبية إلى الداخل السوري، وقدمت لها التمويل والتسليح والتدريب والغطاء السياسي.
وشدد الشريدة على أن هذا التدخل أسهم في تحويل الأزمة السورية من احتجاجات داخلية إلى حرب إقليمية مفتوحة، ودفع آلاف المدنيين ثمنها من دمائهم وأمنهم ومنازلهم ومستقبل أبنائهم، وقال إن المليشيات المدعومة من إيران شاركت في معارك وحصارات وعمليات تهجير وقتل طالت مناطق سورية عديدة، وكان معظم ضحاياها من المسلمين الذين لم يكونوا طرفاً في المشروع الإيراني ولا في صراعاته الإقليمية.
وأضاف: الأخطر أن إيران لم تكتفِ بإرسال السلاح والمقاتلين، بل عملت على ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد داخل سوريا، من خلال إنشاء قواعد ومستودعات وممرات لنقل الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما جعل الأراضي السورية جزءاً من شبكة عسكرية تخدم المصالح الإيرانية أكثر مما تخدم الدولة السورية وشعبها.
أما في لبنان، فلفت الشريدة إلى الدعم الإيراني المستمر لحزب الله، والذي ساهم في تحويله من تنظيم سياسي وعسكري إلى قوة تفوق مؤسسات الدولة في بعض جوانبها، وتمتلك قرار الحرب والسلم خارج الإطار الرسمي. وبدل أن يكون السلاح في يد الجيش اللبناني وحده، أصبح لبنان يعيش تحت معادلة السلاح الموازي، الذي يفرض حضوره على الداخل، ويزج بالدولة في صراعات لا يقررها اللبنانيون جميعاً.
وقال: ظهر أثر هذا السلاح في محطات داخلية عديدة، عندما استُخدم في الضغط على الحكومة ومؤسساتها، وفي فرض موازين سياسية بالقوة، وهو ما أضعف الدولة، وأفقدها جزءاً كبيراً من قدرتها على اتخاذ قراراتها باستقلالية. كما ارتبط اسم الحزب باغتيالات وصدامات وأحداث دامية دفعت أثمانها مختلف مكونات المجتمع اللبناني.
وأكد الباحث السياسي الشريدة أن أخطر ما فعله المشروع الإيراني في لبنان وسوريا هو أنه نقل الخلاف السياسي من مساحة الحوار والتنافس إلى منطق السلاح والمليشيات، ورسّخ الانقسام الطائفي، وجعل الشعوب تدفع ثمن صراع لا يخدم مصالحها الوطنية.
وقال إن إيران تقول إنها تدافع عن قضايا المنطقة، لكن الواقع يكشف أن تدخلاتها أسهمت في قتل وتشريد آلاف المسلمين، وإضعاف الدول العربية، وتعطيل مؤسساتها، وفتح أراضيها أمام الحروب والتدخلات الخارجية. وهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها بين الخطاب المعلن والنتائج الفعلية على الأرض.
وأشار إلى أن ضخ مليارات الدولارات في تمويل الميليشيات وشراء الأسلحة والصواريخ كان من الممكن أن يذهب إلى تنمية الشعوب وتحسين أوضاعها الاقتصادية، لكنه استُخدم بدلاً من ذلك في صناعة نفوذ عسكري وأمني، كانت نتيجته مزيداً من الفقر والانقسام والدمار، ولا يمكن فصل ما جرى في لبنان وسوريا عما حدث في اليمن والعراق ودول أخرى، لأن النمط الإيراني واحد: دعم جماعة مسلحة، إضعاف الدولة، ربط قرارها بطهران، ثم استخدام أراضيها كورقة ضغط في المفاوضات والصراعات الإقليمية.
وشدد على أن استقرار المنطقة لن يتحقق ما لم ينتهِ هذا النموذج القائم على تصدير السلاح والميليشيات، وتعود القرارات الوطنية إلى مؤسسات الدول الشرعية، ويصبح الجيش والقانون هما المرجعية الوحيدة، بدلاً من أن تبقى العواصم العربية رهينة لجماعات تتلقى توجيهاتها وتمويلها من الخارج.