حسن الستري
طالبت الحكومة السلطة التشريعية بإعادة النظر في مشروع قانون تنظيم الطاقة المتجددة المحال من مجلس الشورى، معتبرة أن المشروع يتضمن تداخلات تشريعية وتنظيمية تستوجب المراجعة، في وقت أكدت فيه أن عدداً من الموضوعات التي ينظمها المشروع سبق أن عالجها الإطار القانوني والتنظيمي القائم.
ورأت الحكومة أن استحداث قانون جديد لا تبرره ضرورة تشريعية في ظل وجود تنظيم نافذ لربط مصادر الطاقة المتجددة بالشبكة الكهربائية، محذرة من احتمال تداخل أحكامه مع مشروع قانون تنظيم قطاع الكهرباء والماء المعروض على مجلس النواب، فضلاً عن ما قد يرتبه بعض مواده من أعباء مالية على منظومة الكهرباء والموازنة العامة، ومؤكدة أن طبيعة قطاع الطاقة المتجددة تستدعي أدوات تنظيمية مرنة وقابلة للتحديث السريع لمواكبة التطورات الفنية والاقتصادية المتسارعة.
ووفقاً للحكومة، من حيث المبدأ، تقوم السياسة التشريعية الرشيدة على أن استحداث تنظيم قانوني جديد لا يكون مبرراً إلا إذا استند إلى ضرورة تشريعية حقيقية تستوجب التدخل بنصوص جديدة، سواء لسد فراغ تشريعي، أو لمعالجة قصور في التنظيم القائم، أو لاستحداث قواعد تواكب تطورات فنية أو اقتصادية لا تستوعبها التشريعات النافذة.
ومن ثم فإن الأصل هو تجنب تكرار الأحكام أو إعادة تنظيم موضوعات سبق تنظيمها، لما قد يترتب على ذلك من ازدواجية تشريعية تربك التطبيق العملي، وتؤثر في اتساق المنظومة القانونية واستقرارها.
وفي ضوء ذلك، يتبين عند مراجعة مشروع القانون المقترح أنه يتناول -في جانب كبير منه- تنظيم إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة وربطها بنظام توزيع الكهرباء، وهي موضوعات سبق تنظيمها في الإطار القانوني القائم، ولاسيما بموجب قرار وزير شؤون الكهرباء والماء رقم (2) لسنة 2017 بشأن تنظيم ربط وحدات إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة بنظام توزيع الكهرباء بهيئة الكهرباء والماء، الصادر استناداً إلى أحكام المرسوم بقانون رقم (1) لسنة 1996 في شأن الكهرباء والماء وتعديلاته.
وقد وضع القرار المشار إليه إطاراً تنظيمياً متكاملاً لعملية الربط، من حيث الإجراءات والضوابط الفنية والإدارية والتزامات الأطراف والصلاحيات التنظيمية للهيئة، بما في ذلك تحديد الرسوم وأسعار الخدمات ووضع الاشتراطات الفنية اللازمة لضمان سلامة الشبكة واستقرارها.
كما نظم آليات قياس الطاقة المنتجة واستهلاكها، وضوابط تصدير الفائض إلى شبكة الكهرباء، والعلاقة بين المنتج والجهة المختصة بما يكفل حسن إدارة النشاط وتحقيق أهدافه. وبناءً عليه، فإن أحكام مشروع القانون - في مجملها - لا تقدم تنظيمًا نوعيًا جديدًا يختلف جوهريًا عما هو قائم، وإنما تعيد تنظيم ذات الموضوعات، بما قد يشكل تكراراً تشريعياً دون أثر إضافي يبرر التدخل التشريعي.
ويُضاف إلى ذلك أن طبيعة قطاع الطاقة المتجددة، بما يشهده من تطورات تقنية متسارعة، تقتضي تنظيمه من خلال أدوات تنظيمية مرنة قابلة للتحديث المستمر، وهو ما يتوافر في الإطار التنظيمي القائم على القرارات واللوائح التنفيذية الصادرة عن الجهة المختصة.
إذ تتيح هذه الأدوات مواكبة المستجدات الفنية والاقتصادية على نحو أكثر سرعة وفعالية، لاسيما فيما يتعلق بإجراءات الربط والمعايير الفنية لتشغيل الشبكة وتسعير الطاقة المنتجة، وهي من المسائل ذات الطابع الفني التفصيلي التي درجت السياسة التشريعية على تنظيمها عبر الأطر التنفيذية، لما توفره من مرونة في التعديل والتطوير دون الحاجة إلى تدخل تشريعي متكرر.
كما تشير الحكومة إلى أن مشروع قانون آخر معروض على مجلس النواب بشأن تنظيم قطاع الكهرباء والماء يتضمن إنشاء هيئة تنظيمية تتولى تنظيم القطاع بوجه عام، بما في ذلك أنشطة إنتاج الكهرباء، الأمر الذي قد يترتب عليه تداخل تشريعي حال استحداث تنظيم مستقل موازٍ.
ومن ناحية أخرى، يثير مشروع القانون المقترح اعتبارات تتعلق بالالتزامات الإقليمية المرتبطة بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث استقر النظام (القانون) الموحد للجمارك لدول المجلس، والذي وافقت عليه مملكة البحرين بموجب المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2002، على تعرفة جمركية موحدة بين الدول الأعضاء، ولا يجوز تقرير إعفاءات جمركية منفردة إلا في إطار اتفاق جماعي بينها.
وفي هذا السياق، فإن النص على إعفاء شامل لأنظمة ومعدات الطاقة المتجددة ومدخلاتها من الرسوم الجمركية على النحو المبين بالمادة (13)، قد لا يتسق مع هذا الإطار، فضلاً عن اتساع نطاق الإعفاء على نحو قد ينعكس على الإيرادات العامة دون ضوابط محددة.
كما قد يترتب على بعض الأحكام الواردة في مشروع القانون المقترح، ولا سيما تلك المتعلقة بتعريفة التغذية أو الالتزامات المرتبطة بشراء الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة، آثار مالية محتملة على منظومة الكهرباء بما قد ينعكس على الموازنة العامة، الأمر الذي يستلزم إخضاع هذه المسائل لدراسات اقتصادية وفنية متخصصة قبل تقريرها تشريعياً، ضماناً لتحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار في هذا القطاع والحفاظ على الاستدامة المالية لمنظومة الكهرباء.
كذلك يُلاحظ وجود قدر من التداخل في الاختصاصات بين الوزارة والهيئة في بعض الجوانب التنظيمية، ويتجلى ذلك بوجه خاص في أحكام المادتين (4) و(5) من مشروع القانون؛ إذ أسندت المادة (4) إلى الوزارة مهام تتصل بوضع السياسات والاستراتيجيات وتحديد الحد السنوي للربط وإقرار المواصفات والتعليمات الفنية، في حين خولت المادة (5) الهيئة اختصاصات تتعلق بتنظيم شروط الربط وإبرام اتفاقياته والرقابة على المنتجين. وقد يفضي هذا التداخل في الاختصاصات في التطبيق العملي إلى ازدواجية في اتخاذ القرار أو غموض في تحديد المسؤوليات بين الجهتين، بما قد يؤثر على كفاءة التنفيذ وحسن سير التنظيم في هذا القطاع.
كما يُلاحظ أن مشروع القانون المقترح لم يتضمن تنظيماً كافياً لشروط تأهيل وترخيص المنتجين، إذ ورد تعريف «المنتج» بصيغة عامة دون تحديد اشتراطات فنية أو مالية واضحة، الأمر الذي قد يسمح بدخول جهات غير مؤهلة إلى هذا النشاط بما قد ينعكس سلباً على سلامة الشبكة الكهربائية ومستوى حماية المستهلكين.
ويضاف إلى ذلك أن التوسع في ربط مصادر إنتاج متعددة بالشبكة الكهربائية يقتضي وضع إطار واضح يحدد آليات توزيع تكاليف تطوير الشبكة أو تعزيز قدرتها الاستيعابية، وهو ما لم يتناوله المشروع على نحو كافٍ.
كما أن إنشاء منصات وسجلات إلكترونية لتنظيم هذا النشاط لم يقترن بوضع إطار قانوني واضح لحوكمة البيانات وحمايتها، رغم الأهمية المتزايدة لهذه المسائل في ظل التحول الرقمي الذي يشهده قطاع الطاقة. وفضلًا عن ذلك، فقد وردت بعض نصوص مشروع القانون المقترح بصياغات عامة أو غير منضبطة على نحو كافٍ، بما قد يثير صعوبات في التطبيق العملي، أو يفتح المجال لتفسيرات متباينة.
ويتألف مشروع القانون المقترح، فضلاً عن ديباجته، من إحدى وعشرين مادة، تبدأ بتحديد عدد من التعريفات للمصطلحات الواردة فيه، من بينها المملكة، والوزارة، والوزير، والهيئة، والطاقة المتجددة، والربط، واتفاقية الربط، وشروط الربط، والمنتج، ونظام توزيع الكهرباء، والحد السنوي للربط، وتعريفة التغذية، والشركات المحلية، وذلك توحيداً للمفاهيم وتيسيراً لتطبيق أحكامه.
كما تناول مشروع القانون المقترح أهدافه التنظيمية وآليات تحقيقها، بما يشمل تشجيع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وتنظيم ربط وحدات الإنتاج بنظام توزيع الكهرباء، وتنويع مصادر الطاقة، وترشيد استهلاكها، والإسهام في حماية البيئة والحد من الانبعاثات الكربونية.
وبيّن الأدوار المنوطة بكل من الوزارة والهيئة، إذ أسند إلى الوزارة مهام وضع السياسات والاستراتيجيات والخطط الوطنية المتعلقة بالطاقة المتجددة وتحديد المواقع المناسبة لتطويرها والموافقة على الحدود السنوية للربط، بينما أوكل إلى الهيئة مهام وضع الاشتراطات والمعايير الفنية لعمليات الربط، وإبرام اتفاقيات الربط مع المنتجين، ومتابعة التزامهم بها، وإصدار شهادات المصدر، وإنشاء السجلات والمنصات الإلكترونية اللازمة لتنظيم هذا النشاط.
كما تضمن تنظيم حقوق والتزامات المنتجين، وإجراءات التظلم من القرارات الصادرة تطبيقًا لأحكامه، فضلًا عن تقرير بعض الجزاءات على المخالفات ومنح بعض موظفي الهيئة صفة مأموري الضبط القضائي.
وبيّنت الحكومة أنها درست مشروع القانون المقترح، واطلعت على الأهداف التي يسعى مجلس الشورى إلى تحقيقها من خلاله، والمتمثلة -وفقاً لما ورد في مذكرته الإيضاحية- في دعم التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز استخدام مصادر الطاقة النظيفة، وتشجيع الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، والمساهمة في ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية وتعزيز أمن الطاقة، وذلك بما يتسق مع مستهدفات رؤية مملكة البحرين الاقتصادية 2030.
وإذ تقدر الحكومة هذه الأهداف، وتثمن الجهود المبذولة في سبيل تطوير هذا القطاع الحيوي، فإنها تؤكد في الوقت ذاته أهمية أن يتم ذلك في إطار تشريعي متكامل ومتسق مع القواعد الدستورية والسياسات التشريعية المستقرة، وبما يكفل سلامة البناء القانوني واستقرار المنظومة التنظيمية الحاكمة لقطاع الطاقة.