بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي
حين وقفتُ في حلبة سيبانغ الدولية، لم أرَ سباقًا يُنقل من أرضٍ إلى أرض، ولا فعاليةً رياضيةً تُدار بحساب الوقت وعدّ السيارات؛ بل رأيتُ البحرينَ تمشي باسمها، وتتكلمُ بأبنائها، وتُشرقُ برايتها، وتُعرّف العالم على وطنٍ عظيمٍ في همّته، راسخٍ في عزيمته، شامخٍ بإنجازه، حاضرٍ في أثره، ناصعٍ في صورته.
لم يكن فريقُ البحرين هناك وحده، ولم يكن الجهدُ جهدَ أفرادٍ تفرّقهم المواقع وتجمعهم المهمة؛ بل كانت عائلةُ البحرين حاضرةً بروحها ووفائها، متعاضدةً متآزرة، مبدعةً مخلصة، تحمل همّ الوطن في صدرها، وصورته في عملها، ورايته في ضميرها؛ لا تطلب تصفيقًا، ولا تنتظر مديحًا، بل تريد أن تقول للعالم: هذه البحرين إذا حضرت أبهرت، وإذا وعدت أنجزت، وإذا أقبلت سبقت.
كانت سيبانغ في ظاهرها حلبةً للسرعة، وفي حقيقتها ساحةً للمعنى البحريني حين ينهض ويتجلّى؛ هديرُ المحركات يملأ المكان، وأهازيجُ اليامال تردّ عليه من عمق الوجدان، فإذا العصرُ الحديث يلتقي ذاكرةَ البحر، وإذا التقنيةُ تصافح التراث، وإذا البحرين تعزف هناك لحنها الخالد: نخوةً لا تخبو، ووفاءً لا ينثني، وإبداعًا لا يقف عند حدّ، ولا يرضى بغير القمّة موعدًا ووعدًا.
وكان أبلغُ ما في المشهد أنّ هذا الإنجاز لم يولد من سعة الوقت، ولا من ترف الاستعداد الطويل؛ بل خرج من رحم التحدّي، في أقلّ من ثمانية أسابيع، منذ صدر قرار إقامة السباق حتى انطلقت السيارات حول الحلبة. وهنا تُعرف الهمم، وتُوزن العزائم؛ فهناك من يتّسع له الزمن فيضيّعه، وهناك من يضيق عليه الزمن فيوسّعه، ويصنع من أيامٍ معدودةٍ أثرًا مشهودًا، ومن موعدٍ قريبٍ مجدًا بعيدَ الصدى.
وكان هذا المنجز امتدادًا لما أرساه سيدي جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، من نهجٍ جعل البحرين وطنَ فعلٍ لا قول، وإنجازٍ لا ادّعاء، وحضورٍ لا يغيب. وفي هذا الامتداد جاء حضورُ سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، حضورَ القائد الذي يرى في الإنجاز صورةَ الوطن، وفي التحدي بابًا للعمل، وفي أبناء البحرين رهانًا لا يخيب.
لم يكن حضوره رعايةً عابرةً لحدثٍ رياضي، بل كان امتدادًا لرؤيةٍ تؤمن بأن الخبرة الوطنية إذا صُقلت بالثقة، وأُسنِدت بالمسؤولية، خرجت من حدود المكان إلى آفاقٍ أوسع، تحمل اسم البحرين حيثما حلّت، وتُثبت أن الصخير ليست حلبةً فقط، بل مدرسةُ عزيمةٍ وإتقانٍ وسبق.
رأيتُ هناك المنظّمَ، والمارشال، والإعلامي، والفني، ورجلَ الضيافة، وكلَّ يدٍ بحرينيةٍ تعمل كأنها تعزف نغمةً في لحنٍ واحد؛ لا يتزاحمون على الظهور، ولا يتسابقون إلى الصورة، بل يتسابقون إلى الإتقان، ويجتمعون على الإحسان. كان كلٌّ منهم يعرف موضعه في المشهد، ويؤدي واجبه كأنه عهدٌ في العنق، ورايةٌ في القلب، ورسالةٌ لا تكتمل إلا إذا اكتملت صورة البحرين بهاءً ونقاءً وصدقًا.
وعندما عبرت السيارات خطَّ النهاية، لم يكن الذي اكتمل سباقًا فحسب، بل اكتملت معه شهادةٌ جديدة في سجل البحرين؛ شهادةٌ تقول إن الأوطان لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تُنجزه، ولا تُعرف بما ترفعه من شعارات، بل بما تتركه من آثار. وفي سيبانغ تركت البحرين أثرها واضحًا، وصوتها عاليًا، ورايتها حاضرةً، كأنها تقول للعالم: من حمل وطنه في قلبه، استطاع أن يرفعه في كل أرض، وتحت كل سماء.