اعتدنا أن نقرأ عبارة «صُنع في البحرين» على منتج خرج من مصنع، فنشعر بشيء من الاعتزاز، لأن هذه الكلمات الثلاث الصغيرة تحمل وراءها قصة أكبر عن وطن ينتج، وكفاءات تعمل، واقتصاد يضيف قيمة محلية. لكن معنى هذه العبارة يمكن أن يكون أوسع، فليس كل ما تصنعه الدول يوضع في صندوق مادي، فهناك منتجات لا تخرج من خطوط المصانع، بل تُصنع في قاعات الدراسة والمختبرات، وبين صفحات الأبحاث، وفي عقول الطلبة والباحثين. وتبدأ بذرتها الأولى منذ المدرسة، حين لا يكون الطالب متلقياً للمعرفة فحسب، بل منتجاً لها أيضاً بما يتناسب مع عمره وموهبته؛ من بحث مصغر وتجربة علمية، إلى لوحة وقصة وقصيدة وعمل مسرحي، ثم تتسع هذه المساحة في الجامعة لتتحول إلى أفكار جديدة، وأبحاث علمية، ونماذج تعليمية، وبرامج رقمية، ودراسات متخصصة، ومشروعات طلابية تقدم حلولاً لمشكلات حقيقية.
ورغم اختلاف هذه المنتجات في أشكالها ومستوياتها، فإنها جميعاً تعكس عقلاً يتعلم كيف يحوّل المعرفة إلى إبداع، والفكرة إلى قيمة، ويحمل كل واحد منها، بطريقته الخاصة، المعنى ذاته: «صُنع في البحرين».
وهنا تحديداً تبدو أمامنا فرصة للنظر إلى التعليم في مملكة البحرين من زاوية أوسع، فالتعليم لا يصنع خريجين فحسب، وإنما يصنع شيئاً أبقى أثراً وأكثر قدرة على التراكم والنمو جيلاً بعد جيل، وهو «المعرفة» وهذا ما يكتسب أهمية أكبر وتحديداً مع تدشين مجلس التعليم العالي الاستراتيجية الجديدة للتعليم والبحث العلمي، بما تتضمنه من خارطة طريق طموحة لتعزيز تنافسية منظومة التعليم العالي في البحرين، ودعم البحث العلمي والابتكار، وتوسيع الحضور والشراكات الأكاديمية عالمياً، واستشراف مهارات المستقبل، وربط البحث والابتكار باحتياجات الاقتصاد الوطني، وتعزيز دور الجامعات في صناعة المعرفة وخدمة المجتمع، وهو توجه يستحق الإشادة، لأنه ينقل التعليم من حدود الشهادة والوظيفة إلى فضاء أرحب تصبح فيه المعرفة نفسها مورداً وطنياً ومحركاً للتنمية. وفي السياق ذاته، تستحق جهود وزارة التربية والتعليم الشكر والتقدير لما تتيحه لأبنائها الطلبة من بيئة تعليمية وأنشطة ومشروعات ومسابقات ومصادر رقمية تعزز البحث والتجريب والإبداع، وتنقل الطالب تدريجياً من تلقي المعلومة إلى فهمها وتحليلها والتحقق منها وتوظيفها وإنتاجها. لذلك فقد حان الوقت لأن تأخذ عبارة «المعرفة المصنوعة في البحرين» مكانها بصورة أكثر فخراً في حديثنا عن المنتج الوطني الذي يمتد أثره إلى المجتمع والاقتصاد.
لكن إنتاج المعرفة وحده لا يكفي، بل من المهم أن نُبرزها ونمنحها المساحة التي تستحقها في المجتمع،؛ فنحن نعرف كثيراً من منتجات البحرين الصناعية والتجارية، ونحتفي بإنجازاتها الرياضية والثقافية، فيما تستحق الأبحاث المتميزة والدراسات والابتكارات الطلابية والنماذج التعليمية والتجارب المعرفية التي تنتجها مؤسساتنا التعليمية وعقول أبنائنا حضوراً مماثلاً من الاهتمام والتقدير، فالمعرفة التي تُنتج تستحق أيضاً أن تُرى. ولعل من الاقتراحات أو المبادرات التي يمكن أن تخدم هذا التوجه إطلاق «منصة رقمية وطنية» أو إصدار سنوي يستلهم روح عبارة «صُنع في البحرين» يجمع ويوثق ويعرض بصورة جذابة أبرز ما تنتجه العقول في المملكة من أبحاث ودراسات وابتكارات ومشروعات ونماذج تعليمية وتجارب معرفية متميزة، بدءاً من طالب المدرسة والجامعة، مروراً بالباحث والأكاديمي، وصولاً إلى مختلف الطاقات الوطنية المنتجة للمعرفة. ولا ينبغي أن يقف طموح هذه الفكرة عند حدود إبراز هذا الإنتاج محلياً، بل يمكن أن تتحول إلى نافذة تحمل المعرفة البحرينية إلى الخارج أيضاً، فالدول الحديثة لا تصدّر السلع والمنتجات المادية وحدها، وإنما تصدّر كذلك الأفكار والخبرات والتعليم والتقنيات والمحتوى والتجارب والنماذج الناجحة.
والبحرين، بما راكمته من استثمار في الإنسان والتعليم، وما توليه من اهتمام بالبحث والابتكار والتحول الرقمي ومهارات المستقبل، تمتلك رصيداً مهماً يؤهلها لأن يصبح «إنتاج المعرفة» عنصراً بارزاً في صورتها الدولية وهويتها الوطنية، ولعل أرقى ما يمكن أن نقدمه للعالم هو «معرفةٌ صُنعت في البحرين» تحمل فكر أبنائها وإبداعهم، وتضيف إلى العالم شيئاً من هذا الوطن الطموح.
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي