ما سار العالم العربي منذ الحرب العالمية الأولى على سَنَنٍ واحد، ولا استقرّ في طورٍ واحد؛ بل تنازعته راياتٌ تتبدّل، وشعاراتٌ تتجمّل، وأحلامٌ تعلو ثم تأفل، حتى بدا تاريخه الحديث كبحرٍ تتدافع أمواجه: انتدابٌ يقسّم، وانقلابٌ يهدم، وأيديولوجيا تَعِدُ ثم تُخلِف، وفوضى ترفع اسم الحرية ثم تكسر باب الدولة. وبين هذا المدّ والجزر، لم تكن العبرة بمن ملأ الفضاء هتافًا، بل بمن أقام على الأرض بنيانًا؛ ولا بمن زيّن القول بالعدل والحرية، بل بمن جعل الأمن حصنًا، والقانون وزنًا، والإنسان قصدًا، والوطن أصلًا لا يعلو عليه أصل، وميثاقًا لا يزاحمه ولاء، وعهدًا لا تنقضه الأهواء.

فمنذ وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وسقطت السلطنة العثمانية، دخل العرب زمنًا تتزاحم فيه النهايات والبدايات؛ انتدابٌ يرسم، واستعمارٌ يقسم، وحدودٌ تُخطّ، وكياناتٌ تُستولد من رحم القلق والاضطراب. ثم جاء عهد قيام الدول وعدًا كبيرًا، فإذا بالطريق عسيرًا؛ جيوشٌ تصعد، وانقلاباتٌ تتتابع، وجمهورياتٌ تُعلن باسم الشعب ثم تضيق بالشعب، وأحزابٌ تبشّر بالوحدة فتزيد الفرقة، وتنادي بالعدالة فتورث القسوة. وتدافعت الأيديولوجيات: قوميةٌ تُلهب ولا تبني، واشتراكيةٌ تَعِد ولا تُغني، وشيوعيةٌ تُنظّر ولا تُثمر، وبعثيةٌ تجمع الشعار ولا تجمع الدار، وإسلامٌ سياسيٌّ ينازع الدولة سلطانها، وثيوقراطيةٌ تجعل المرشد فوق المؤسسة، والفكرة فوق الوطن، والولاء فوق السيادة. ثم جاءت الهزائم والنكبات، والحروب والانتكاسات، حتى كان الخريف العربي محكًّا كاشفًا لا ساترًا؛ فثبت أنّ الدولة إذا تهاوت تهاوت معها الحرية، وإذا انكسر الأمن انكسر معه الحق، وإذا ضاع الولاء الوطني لم يبقَ من الأيديولوجيا إلا صوتٌ بلا أثر، ووعدٌ بلا وفاء.

وفي تاريخ البحرين معنى لا يُقرأ في أسماء الحكام وحدها، بل في البيعة التي جعلت الحكم عهدًا، والسيادة ميثاقًا، والولاء صلةً بين القيادة والشعب لا تنفصم ولا تضطرب. فمنذ بيعة المؤسس أحمد الفاتح رحمه الله، حين فُتحت البحرين واستقام كيانها العربي المسلم، نشأ العهد الأول على قاعدة الفتح والبناء، لا على دعوى عابرة ولا راية مستعارة. ثم جاءت بيعة الشيخ عيسى الكبير رحمه الله في زمنٍ كثرت فيه التحولات السياسية وتدافعت فيه المصالح والرياح، فكانت بيعة استقرارٍ في زمن اضطراب، وثباتٍ في وجه تبدّل، وحفظٍ لكيانٍ لم تُطفئه العواصف ولم تجرّه الشعارات. ثم جاءت بيعة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة رحمه الله، فكانت بيعة تثبيتٍ لعروبة البحرين وسيادتها المتصلة، وتأكيدٍ لحضورها العربي والدولي بعد انتهاء اتفاقية الحماية، حتى قامت الدولة بحضورها ورايتها ومؤسساتها. ثم جاءت بيعة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، عبر ميثاق العمل الوطني، فارتقت البيعة من عهدٍ في القلوب إلى ميثاقٍ أقرّه الشعب، ومن ولاءٍ متوارث إلى قبولٍ دستوريٍّ جامع، فكان الميثاق شاهدًا على أن الشرعية في البحرين ليست طارئةً تُصنع، بل أصيلةٌ تتجدد، ومتوارثةٌ تتأكد، وراسخةٌ كلما تبدّلت الأزمنة واشتدت التحولات.

وفي مقابل هذا الاضطراب، مضت البحرين في نهجٍ أهدأ صوتًا وأبقى أثرًا؛ نهجٍ لا يستعير شرعيته من شعارٍ عابر، ولا يعلّق مصيره بفكرٍ غامر، بل يستمدّ ثباته من تاريخ الحكم، ورسوخ العهد، واتصال القيادة بالناس اتصال الرعاية لا الدعاية. فمنذ المؤسس أحمد الفاتح رحمه الله، ثم ما تلاه من عهودٍ توارثت الأمانة وصانت الكيان، حتى عهد الشيخ عيسى الكبير رحمه الله، تبيّن أصل المسار: حكمٌ يحفظ السكينة، وتدرّجٌ يصون السفينة، وانفتاحٌ لا يخلع الهوية، وإدارةٌ تنمو ولا تقطع الجذور؛ فقد ترسّخ في عهده الاستقرار، وانتظم شأن المجتمع والغوص واللؤلؤ والتجارة، وبرزت ملامح التنظيم في مجالس تُصلح، وأطرٍ تضبط، وسوقٍ يتحرك في أمنٍ وائتمان، ورجالٍ يجمعون الرأي والوجاهة والعمران.

ثم جاء عهد الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة رحمه الله، فدخلت البحرين باب التحول الأكبر مع النفط؛ اكتشافًا وإنتاجًا وتصديرًا وتكريرًا، فانتقلت من موردٍ يضيق إذا اضطرب البحر والسوق، إلى موردٍ يفتح العمل، ويوسّع الرزق، ويمهّد للخدمات والمرافق والبناء. ثم تولى الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة رحمه الله، في زمنٍ كثيرِ التبدّل والتحوّل عقب الحرب العالمية الثانية، ومضى في تثبيت الإدارة، وتوسيع العمران، وتعزيز الخدمات، وتنمية مرافق النفط والعمل، حتى أخذت ملامح الدولة الحديثة تتبيّن، لا ضجيجًا في الشعار، بل رسوخًا في النظام، ونموًا في المرفق، واتساعًا في الرزق، واطرادًا في البناء.

ثم جاء عهد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة رحمه الله، فكان عهدًا اتصلت فيه السيادة التاريخية، وتجلّى فيه الحضور الدولي بعد انتهاء اتفاقية الحماية؛ فقامت دولة البحرين بحضورها العربي والدولي، وانضمت إلى محيطها ومجتمعها، وصدر دستورها، وتأسست مؤسساتها، واتسعت نهضتها في التعليم والصحة والإسكان والصناعة والمصارف والخدمات، حتى غدت البحرين مركزًا ماليًا وتجاريًا ذا ثقةٍ في محيطه، وصلةٍ بالعالم، وجسرًا حيًا مع عمقها في الخليج العربي.

حتى إذا أشرق عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بلغ المسار تمامه، وأدرك البناء مقامه، وانتقل الوطن من دولةٍ راسخة الأركان، إلى مملكةٍ دستورية البنيان؛ ميثاقٌ جمع القلوب على العهد، ودستورٌ أقام الحكم على الميزان، ومؤسساتٌ تُشرّع، وتُراقب فتُقوّم، ومشاركةٌ سياسيةٌ تتسع في وعي، وتترسخ في هدي، وحقوقٌ يصونها القانون، وتحرسها الدولة، فلا تعبث بها الفوضى، ولا يختطفها الادّعاء. وفي هذا العهد الزاهر، اتصل الماضي بالمستقبل، اتصال الأصل بالفرع، والجذر بالثمر، فكان الإصلاح أثرًا لا خبرًا، وبناءً لا صدى، ومؤسسةً لا وعدًا؛ تعززت به دولة القانون، واتسعت به ميادين التعليم والعمل، وارتفعت به مكانة المرأة والشباب، وتنامى به الحضور الاقتصادي والمالي، وبرزت البحرين وطنًا للسلام والوئام، ومنبرًا للتسامح والاحترام، ودارًا يجتمع فيها الأمن بالعمران، وتلتقي فيها الحرية بالاتزان. فلم يكن المشروع الإصلاحي شعارًا يلمع ثم يخبو، ولا وعدًا يعلو ثم يذوي، بل نهجًا يبني ولا يهدم، ويجدد ولا يبدد، ويصون ولا يفرّط؛ يمنح الحرية ميزانها، والتنمية أمانها، والسيادة سلطانها، والمواطن مقامه الأكرم في غاية الحكم ومقصد الدولة.

وجاءت الكلمة السامية لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، بمناسبة بدء العام الدراسي والأكاديمي 2026/2027م، نشيدَ عهدٍ لا ينقطع، وشاهدَ وطنٍ لا يتصدّع؛ تعليمٌ صانته حكمةُ الدولة، وحرسَته الحكومةُ الرشيدة برئاسة صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، وأمنٌ شدّ المسيرة، وولاءٌ أيقظ البصيرة، ومدارسُ مستقبلٍ بدأت رؤيةً، ثم غدت عند الامتحان قدرةً وجدارة، وثباتًا وريادة. وهكذا تمضي البحرين: علمٌ يصونه الأمن، وأمنٌ يرفده الولاء، وولاءٌ يثمر العمل، وعملٌ يرفع الوطن مقامًا، ويزيده رسوخًا وازدهارًا ومآلًا.

وليس في هذا المسار انغلاقٌ يعطل حركة المجتمع، ولا انفلاتٌ يضعف هيبة الدولة؛ بل حريةٌ مسؤولة، وسوقٌ منضبط، وملكيةٌ تُصان، ومبادرةٌ تُفتح، وقانونٌ يحكم، وسيادةٌ لا تُنازع. فالدولة الرشيدة لا تخنق الفرد باسم النظام، ولا تترك الفوضى تعبث بالمجتمع باسم الحرية، وإنما تمسك الميزان من طرفيه: حقٌّ محفوظ، وواجبٌ معروف، وعمرانٌ مأمون، ووطنٌ مصون.

وهكذا لم تكن البحرين بعيدةً عن عواصف زمانها، لكنها لم تجعل من العاصفة ربّانها؛ رأت التحولات فلم تنخدع ببريقها، وسمعت الشعارات فلم تستسلم لضجيجها، وأخذت من العصر أداته، ومن التاريخ شرعيته، ومن الدستور نظامه، ومن الدولة هيبتها، ومن الإنسان غايته. فليست العبرة أن تُرفع الحرية شعارًا، بل أن تُصان أمنًا وحقًا؛ ولا أن يُعلن الدستور لفظًا، بل أن يعمل مؤسسةً وحكمًا؛ ولا أن يُفتح السوق بابًا، بل أن يُحاط بقانونٍ وعدلٍ واتزان. ومن هنا استقام نهج البحرين: ملكيةٌ دستورية، وحريةٌ مسؤولة، وتنميةٌ مأمونة، ودولةٌ وطنيةٌ لا تعلو عليها أيديولوجيا، ولا يزاحم ولاءها ولاء.