سماهر سيف اليزل

  • - هنادي الجودر: السكوترات وسائل ترفيه محفوفة بالمخاطر ويجب توفير الحماية والرقابة
  • - عيسى حسين: نشر ثقافة الاستخدام الآمن وتعريف الطلبة بالمخاطر الحقيقية لهذه الوسائل
  • - دور لمؤسسات المجتمع المدني في التدريب على القواعد وما الذي يمكن أن يحدث عند مخالفتها؟
  • - الطريق العام ليس ملعباً.. والمتعة لا تستحق أن يدفع الطفل ثمنها من سلامته وحياته

لم تعد السكوترات والدراجات الكهربائية مجرد وسيلة ترفيه عابرة للأطفال والمراهقين، بعدما كشفت حوادث مؤلمة خلال فترة قصيرة عن مخاطر استخدام «القاتل الصامت» بصورة غير آمنة، خصوصاً مع دخولها في مسارات تتقاطع مع حركة المركبات. وخلال أشهر قليلة، شهدت البحرين حوادث انتهت بالوفاة والإصابة لأطفال ومراهقين.

وتعيد هذه الحوادث طرح تساؤلات عدة حول مسؤولية الأسرة ومؤسسات المجتمع، ومدى وعي الأطفال والمراهقين بمخاطر هذه الوسائل، فضلاً عن تطور التشريعات والإجراءات المرورية القائمة لحماية مستخدميها.

من جانبها، أكدت الإدارة العامة للمرور، أهمية الالتزام بالضوابط والاشتراطات القانونية المنظمة لاستخدام الدراجة والسكوتر الكهربائي، واتباع إجراءات السلامة اللازمة، بما يسهم في الحد من الحوادث والإصابات وتعزيز سلامة مستخدميها ومستخدمي الطريق، موضحة أنه لا يجوز لمن يقل عمره عن 16 عاماً قيادة الدراجة الكهربائية، ولمن يقل عمره عن 7 سنوات قيادة السكوتر الكهربائي إلا تحت رقابة ولي الأمر أو من يتولى رعايته. ولفتت إلى أن قيادة هذه الدراجات لمن هم دون السن المقرر ومن دون الرقابة المطلوبة تُعد في حكم قيادة المركبة ممن هو غير مرخص له بذلك، بما يرتب المسؤولية القانونية على ولي الأمر أو من يتولى الرعاية حال السماح بذلك، مشددة على إلزام قائد الدراجة الكهربائية بارتداء خوذة السلامة، وقائد السكوتر الكهربائي بارتداء الخوذة وواقيات التصادم للأكتاف واليدين والرجلين.

وبينت الإدارة، أن القرار رقم 58 لسنة 2026 نظم استخدام كل من الدراجات والسكوترات الكهربائية على الطرق العامة، حيث منع استخدامها في الطرق الخارجية والطرق التي يزيد الحد الأقصى للسرعة المقررة فيها على 50 كم/الساعة، وكذلك مسارات المركبات وأكتاف الطريق وهي جوانب الطريق المحاذية له أو مسارات الطوارئ.

وأضافت أن مخاطر استخدام هذه الوسائل تزداد على الطرق الخارجية وعند استخدام مسارات المركبات وعند التقاطعات ومداخل الطرق، منوهة إلى ضرورة الالتزام باستخدام الدراجة والسكوتر الكهربائي في الطرق المسموح بها.

وأشارت إلى أن مسؤولية المستخدم لا تقتصر على حماية نفسه، وإنما تمتد إلى المحافظة على سلامة الآخرين، من خلال القيادة بحذر وعدم تعريض المشاة للخطر، ومنحهم وبقية المركبات أولوية المرور في الطرق غير المنظمة بعلامات مرورية. وفيما يتعلق بالضوابط القانونية، أوضحت الإدارة العامة للمرور أن القرار حدد سرعة الدراجة والسكوتر الكهربائي بما لا يتجاوز 25 كيلومتراً في الساعة، ومنع اصطحاب راكب إضافي، أو السير عكس اتجاه حركة المرور أو بطريقة تعرض قائدها وحركة المرور للخطر.

وأكدت الإدارة العامة للمرور، على الدور المحوري للأسرة في تعزيز السلامة المرورية لدى الأبناء، من خلال تعريفهم بالضوابط المنظمة لاستخدام الدراجة والسكوتر الكهربائي، داعية إلى عدم التعامل مع الدراجة أو السكوتر الكهربائي باعتبارهما مجرد وسيلة للترفيه، وإنما وسيلة تنقل يتطلب استخدامها وعياً ورقابة ومسؤولية والتزاماً بالقانون.

وفي إطار جهودها التوعوية، أكدت الإدارة أن رسائلها تستهدف المواطنين والمقيمين وجميع فئات مستخدمي الطريق، من خلال نشر الإرشادات المرورية بعدة لغات والاستفادة من المنصات الرقمية ووسائل الإعلام والحملات الميدانية، بما يسهم في إيصال الضوابط والتعليمات إلى أوسع شريحة ممكنة.

وأضافت أن جهودها في التعامل مع استخدام الدراجات والسكوترات الكهربائية تشمل توضيح الضوابط القانونية والأماكن المسموح باستخدامها فيها، والتوعية بالسرعات المقررة ومعدات الوقاية وحقوق المشاة، إلى جانب تكثيف عمليات الرصد والمتابعة الميدانية واتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالفات التي من شأنها تعريض مستخدمي هذه الوسائل أو بقية مستخدمي الطريق للخطر. وشددت الإدارة العامة للمرور على أن تحقيق السلامة في استخدام الدراجات والسكوترات الكهربائية مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي المستخدم والتزامه بالقانون، وتمتد إلى دور الأسرة في التوجيه والرقابة، مؤكدة مواصلة جهودها التوعوية والميدانية بما يعزز السلامة المرورية ويحافظ على الأرواح وممتلكات مستخدمي الطريق.

وترى المحامية د. هنادي الجودر أن مرحلة الطفولة والمراهقة من أكثر المراحل حساسية، إذ تتداخل فيها الرغبة في الاستكشاف والتجربة وإثبات الذات مع عدم اكتمال القدرة على تقدير المخاطر.

وتؤكد أن التشريعات البحرينية أولت الطفل عناية خاصة، مشيرة إلى أن قانون الطفل يعتبر كل من لم يتجاوز 18 عاماً طفلاً، وأن مسؤولية ولي الأمر تشمل حماية الطفل ورعايته وضمان عدم تعرضه للخطر. وترى الجودر أن السماح للأطفال باستخدام وسائل ترفيهية محفوفة بالمخاطر من دون توفير الحماية والرقابة اللازمة قد يدخل، بحسب الظروف، في نطاق الإهمال وتعريض الطفل للخطر، خصوصاً إذا كان ولي الأمر مدركاً للمخاطر المترتبة على الاستخدام. وتشدد في الوقت ذاته على أنها لا تدعو إلى منع هذه الوسائل بصورة مطلقة، وإنما إلى تنظيم استخدامها وتوفير بيئات آمنة ومجهزة، إلى جانب معدات السلامة والرقابة الأسرية. وتؤكد أن الطفل لا يمتلك دائماً القدرة على تقدير النتائج الحقيقية لأفعاله، ولذلك تقع المسؤولية الأكبر على البالغين القائمين على رعايته.

من الجانب الاجتماعي، يرى الباحث الاجتماعي عيسى حسين أن جزءاً من المشكلة يرتبط بطبيعة مرحلة المراهقة، التي يسعى خلالها الشاب إلى الاستقلال وإثبات ذاته وخوض التجارب والمغامرة. ويؤكد أن التعامل مع هذه السلوكيات يجب أن يبدأ من الوقاية وليس العلاج، وأن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول من خلال دور الأب والأم والأخ الأكبر في التوعية والمتابعة. ويشير إلى أن المراهق يتأثر بأقرانه، وقد يلجأ إلى تقليد أصدقائه، خصوصاً عندما يرى استخدام السكوترات أو الدراجات بطريقة خطرة دون إدراك للعواقب.

ويرى حسين أن الحل لا يقتصر على المنع، بل يتطلب توفير نوادٍ ومؤسسات وأماكن آمنة تستوعب طاقة المراهقين، وتوفر لهم أنشطة رياضية وترفيهية بديلة. كما يدعو إلى تعزيز البرامج التوعوية داخل المدارس، خصوصاً في المرحلتين الإعدادية والثانوية، لنشر ثقافة الاستخدام الآمن وتعريف الطلبة بالمخاطر الحقيقية لهذه الوسائل.

تكمن إحدى المشكلات في أن الطفل قد يرى السكوتر في يد أقرانه بصورة يومية، فيتكون لديه شعور بأنه وسيلة ترفيه عادية، خصوصاً مع انتشار مقاطع الاستعراض والسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد تتحول الرغبة في التقليد أو إثبات المهارة إلى تجاوز للسرعة أو القيام بحركات خطرة، فيما تصبح الطرق والأحياء مكاناً لممارسة هواية تحتاج في الأصل إلى بيئة أكثر أماناً.

وهنا يبرز الدور التربوي للأسرة والمدرسة، ليس فقط في تعليم الطفل «ممنوع» و«مسموح»، وإنما في جعله يدرك لماذا تم وضع هذه القواعد، وما الذي يمكن أن يحدث عند مخالفتها. ولا تقتصر مخاطر السكوترات على البحرين، إذ تظهر بيانات دولية تصاعد الإصابات المرتبطة بوسائل التنقل الصغيرة.

وقدرت لجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية الأمريكية نحو 360800 زيارة لأقسام الطوارئ مرتبطة بالدراجات الكهربائية والسكوترات وغيرها من وسائل التنقل الصغيرة خلال الفترة من 2017 إلى 2022، إلى جانب تسجيل 233 وفاة خلال الفترة نفسها.

وشكل الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 14 عاماً أو أقل نحو 36% من الإصابات المرتبطة بهذه الوسائل خلال الفترة المذكورة، بحسب اللجنة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن إصابات الطرق تمثل السبب الأول للوفاة عالمياً بين الأطفال والشباب من 5 إلى 29 عاماً، مشددة على أهمية التحكم في السرعة، واستخدام الخوذ، وتحسين البنية التحتية، وتطبيق قوانين السلامة.

وتظهر تجارب دولية عدة أن الاتجاه العالمي يسير نحو ربط استخدام السكوترات الكهربائية بالعمر والتدريب والمكان ومعدات الحماية.

ففي سنغافورة يبلغ الحد الأدنى لقيادة السكوتر الكهربائي 16 عاماً، مع اشتراطات تتعلق بالتدريب والاختبار والمسارات المسموح باستخدامها. وفي دبي، حددت هيئة الطرق والمواصلات الحد الأدنى لاستخدام السكوتر الكهربائي بـ16 عاماً، إلى جانب اشتراطات تتعلق بالتصريح والخوذة ومعدات الحماية والمسارات المخصصة.

أما بريطانيا، فتمنع استخدام السكوترات الكهربائية الخاصة في الأماكن العامة، بما فيها الطرق والأرصفة، بينما تسمح باستخدام السكوترات المؤجرة ضمن تجارب منظمة لها شروط محددة. وتتجه بعض المناطق في أستراليا أيضاً إلى تشديد القيود العمرية على بيع واستخدام أجهزة التنقل الكهربائية.

إذا كان السكوتر يمثل خطراً بسبب سرعته وصغر حجمه، فإن الدراجات النارية والمركبات ذات المحركات تحمل مخاطر أكبر بسبب الوزن والسرعة وقوة المحرك.

وفي البحرين، ومع صدور القرار رقم 58 لسنة 2026، أصبح التنظيم أكثر تفصيلاً، ليشمل العمر والسرعة ومكان الاستخدام ومعدات السلامة وغيرها من الاشتراطات. تتفق الرؤى القانونية والاجتماعية على أن الحل لا يجب أن يكون في منع الأطفال والمراهقين من ممارسة الرياضة والترفيه، وإنما في توفير بيئة آمنة لممارسة هذه الهوايات.

فالمراهق الذي يبحث عن المغامرة يحتاج إلى بديل، والطفل الذي يحب السكوتر يحتاج إلى مكان يستطيع فيه ممارسته بعيداً عن حركة المركبات. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء أو تخصيص مساحات آمنة، ودعم الأندية والبرامج الشبابية، وربط ممارسة هذه الأنشطة بالتدريب ومعدات السلامة والإشراف المناسب للعمر. الحوادث الأخيرة تضع الأسرة أمام مسؤولية لا يمكن اختزالها في شراء الخوذة أو معرفة عمر الطفل.

فالسؤال الحقيقي هو: هل الطفل قادر على القيادة؟ وهل المكان آمن؟ وهل المركبة مناسبة لعمره؟ وهل يعرف قواعد الطريق؟ وهل هناك رقابة فعلية على استخدامه؟

فالطفل قد لا يستطيع في لحظة واحدة تقدير سرعة مركبة قادمة أو المسافة اللازمة للتوقف، وقد تكون ثانية واحدة من فقدان السيطرة كافية لتحويل وسيلة ترفيه إلى مأساة. ومن هنا، فإن حماية الأطفال من حوادث السكوترات والدراجات ليست مسؤولية المرور وحده، وإنما مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والنوادي والجهات التشريعية والمرورية والإعلام والمجتمع.

فالأسرة مطالبة بالرقابة، والمدرسة بالتوعية، والنوادي بتوفير البدائل، والجهات المختصة بالتنظيم والإنفاذ، والإعلام بتعزيز ثقافة السلامة.

فالطريق العام ليس ملعباً.. والمتعة لا تستحق أن يدفع الطفل ثمنها من سلامته وحياته.