• - الخارطة ثمرة تضافر بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وهندسة الأنسجة
  • - فريق من جامعة كاليفورنيا يحدّد 1800 تفاعل بروتيني مرتبط بالتوحد في الدماغ
  • - ٪87 من التفاعلات البروتينية المكتشفة غير مدونة في الأدبيات الطبية السابقة
  • - البيولوجيا المكتشفة تفتح الباب لحلول علاجية أمام ٪30 من المصابين
  • - الانتقال بالاكتشافات الجزيئية إلى التطبيق العملي يتطلب تجارب سريرية

كشف الخبير والاستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز معاً للتربية الخاصة، د. أسامة مدبولي، عن دراسة علمية حديثة نُشرت مؤخراً في دورية «ساينس» العريقة، وسلطت الضوء عليها شبكة «سي إن إن» الأمريكية، جاءت لتطلق شرارة أمل حقيقية عبر تقديم أول خارطة جزيئية شاملة ومفصلة للتوحد والخلايا في الدماغ البشري.

وأضاف في تصريحات لـ«الوطن»، أنه لعقود طويلة، ظل اضطراب طيف التوحد بمثابة لغز بيولوجي محير، استعصى على الحل وأرهق الأطباء والباحثين نتيجة لتشعب أسبابه وتعدد جيناته التي تتجاوز المئات.

ولفت د. مدبولي إلى أن هذه الخارطة الثورية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة لتضافر استثنائي بين أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحديداً نظام التنبؤ ببنية البروتينات الشهير «ألفا فولد»، وبين تقنيات هندسة الأنسجة المتمثلة في زراعة «الأدمغة المصغرة» مخبرياً.

وأوضح أنه من خلال هذه المنظومة التكنولوجية المتقدمة، نجح فريق بحثي موسع من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو في تحديد وفهرسة أكثر من 1800 تفاعل بروتيني مرتبط بالتوحد داخل الدماغ، حيث كانت المفاجأة التي كشفت عنها التحليلات أن نحو 87% من هذه التفاعلات البروتينية المكتشفة كانت مجهولة تماماً وغير مدونة في الأدبيات الطبية السابقة. وبيّن أن هذا الكشف يمنح المجتمع العلمي وللمرة الأولى «مخططاً هندسياً» دقيقاً يوضح بدقة متناهية الكيفية التي تُحدث بها الطفرات الجينية إعادة تشكيل لشبكات الاتصال داخل خلايا المخ، متجاوزة بذلك مرحلة التخبط العشوائي في الأبحاث السابقة. وأضاف قائلاً: «لطالما واجه الباحثون عقبة كؤود تتمثل في كثرة الجينات المرتبطة بالتوحد، ما جعل فكرة تصميم علاج موحد لكل حالة شبه مستحيلة، إلا أن الخارطة الجديدة قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ أثبتت التحليلات أن التنوع الهائل في الطفرات الجينية يصب في النهاية داخل عدد محدودة من «المسارات البيولوجية المشتركة».

وذكر د. مدبولي، أن هذا الاكتشاف المحوري يعني عملياً أن تطوير دواء أو تدخل جزيئي يستهدف مساراً مركزياً واحداً قد يصبح قادراً على معالجة قطاع عريض من المصابين، بغض النظر عن اختلاف طفراتهم الجينية الأصلية. وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً من مقاربة التعامل مع الأعراض السطحية إلى استهداف الجذور البيولوجية العميقة للاضطراب. كما تحمل هذه الاكتشافات دلالات إنسانية بالغة العمق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر احتياجاً للرعاية. فوفقاً لخبراء الصحة، تفتح هذه البيولوجيا المكتشفة الباب واسعاً نحو إيجاد حلول علاجية حقيقية لنحو 30% من المصابين ممن يعانون من «التوحد العميق»، وهؤلاء الأفراد الذين يواجهون تحديات بالغة في النطق والاستقلالية والتواصل اليومي. وقد أكد القائمون على الدراسة أن هناك بالفعل برامج علاجية وبحثية فعلية شرعت في توظيف هذه الرؤى الجزيئية المبتكرة لتطوير أدوية مستقبلية واعدة.

وأضاف أنه على الرغم من حالة الزخم والحماس الكبيرة التي غمرت الأوساط الطبية والإعلامية، يحرص علماء الأعصاب على ضبط سقف التوقعات والتأكيد على ضرورة التروي، فالانتقال بهذه الاكتشافات الجزيئية الأساسية من أروقة المختبرات إلى التطبيق العملي على البشر يتطلب مساراً طويلاً وشاقاً من التجارب السريرية الصارمة، للتأكد التام من أمان وفاعلية أي علاجات ناشئة. ومع ذلك، يظل هذا الإنجاز بمثابة حجر الأساس الصلب الذي طال انتظار تشييده في صرح علاج اضطرابات النمو العصبية.