- ليس كل ما نخسره يكون بسبب غياب الفرصة، فبعض الأشياء كانت أمامنا، لكننا لم ندرك قيمتها في الوقت المناسب. قد نمتلك القدرة على التغيير، ونجد من ينصحنا، وتصلنا إشارات واضحة تدعونا إلى التوقف والمراجعة، ومع ذلك نؤجل الخطوة التي نعرف في داخلنا أنها ضرورية. ثم تمضي الأيام، وتتغير الظروف، ونجد أنفسنا أمام نتائج لم تكن حتمية، وإنما كانت نتيجة طبيعية لتأجيل ما كان يمكن فعله في حينه، الوقت من أكثر الأشياء التي نتعامل معها وكأنها مضمونة، بينما هو في الحقيقة المورد الوحيد الذي لا يمكن استعادته. نستطيع أن نعوض مالاً خسرناه، وأن نبدأ من جديد في عمل أو مشروع، وأن نصلح بعض الأخطاء، لكننا لا نستطيع أن نعيد يوماً مضى أو لحظة لم نستغلها. ولهذا فإن قيمة الإنسان لا تظهر فقط في قدرته على اغتنام الفرص، وإنما في قدرته على إدراك اللحظة المناسبة قبل أن تتحول الفرصة إلى ذكرى.
- وفي كثير من الأحيان لا تأتي التنبيهات في صورة واضحة ومباشرة، فقد تكون موقفاً يتكرر، أو نصيحة من شخص حريص، أو شعوراً داخلياً يخبرنا بأن هناك شيئاً يحتاج إلى التغيير. وربما تكون تجربة مررنا بها وكأنها تمنحنا فرصة لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع أمر معين. لكن المشكلة تبدأ عندما نعتاد تجاهل هذه الإشارات، ونعتبرها أموراً عابرة، إلى أن يأتي موقف أكبر يجعلنا ندرك أن الإشارة الأولى لم تكن عابرة كما تصورنا.
- وتتجلى هذه الحقيقة في تفاصيل كثيرة من حياتنا. فقد تكون أمام الإنسان فرصة لإصلاح علاقة قبل أن تتسع المسافة، أو فرصة للاهتمام بصحته قبل أن تتضاعف المشكلة، أو فرصة لاتخاذ قرار مهني قبل أن تتغير الظروف، أو فرصة للاستفادة من وقت يمر سريعاً دون أن نشعر به.
وفي كل هذه الحالات، لا تكون المشكلة دائماً في عدم وجود الحل، وإنما في الاعتقاد بأن لدينا متسعاً من الوقت، وأن بإمكاننا القيام بما نريد في وقت لاحق، والتأجيل قد يبدو في بدايته أمراً بسيطاً، لكنه مع مرور الوقت يتحول إلى عادة، ثم تصبح العادة سبباً في خسارة ما لا يمكن تعويضه. كم من كلمة كان يمكن أن تقال في وقتها فأصبحت بعد ذلك بلا أثر؟ وكم من اعتذار كان يمكن أن ينهي خلافاً صغيراً فتحول بسبب التأخير إلى جفاء؟ وكم من فرصة مرت أمام الإنسان؛ لأنه أقنع نفسه بأن هناك فرصة أخرى ستأتي؟ الحياة لا تسير دائماً وفق ما نخطط له، ولذلك لا ينبغي أن نراهن دائماً على «غداً».
- الوعي الحقيقي لا يعني أن يعيش الإنسان قلقاً من المستقبل، وإنما أن يكون حاضراً بما يكفي ليفهم ما يحدث حوله. أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يعيد حساباته، ومتى يمسك بالفرصة قبل أن تغادر. فالإنسان الحكيم ليس من لا يخطئ، وإنما من يتعلم من الإشارات قبل أن تتضاعف نتائج أخطائه، ومن يمنح نفسه فرصة للتصحيح وهو لا يزال قادراً على ذلك.
- وفي النهاية، ربما لا نستطيع التحكم في كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نتحكم في استجابتنا للكثير مما يحدث حولنا. وبين الإشارة الأولى والنتيجة النهائية مساحة كبيرة يمكن أن نصنع فيها تغييراً حقيقياً. لذلك لا ننتظر حتى يصبح الإصلاح صعباً، ولا حتى تتحول الفرصة إلى ندم، ولا حتى يصبح النداء الأخير هو الشيء الوحيد الذي نسمعه. فبعض القرارات الصغيرة التي نتخذها اليوم قد تجنبنا كثيراً من الحسرة غداً، والأهم دائماً أن ننتبه إلى ما أمامنا قبل أن يفوت الأوان.