حققت مملكة البحرين قفزات نوعية في توظيف موروثها الحضاري والثقافي ضمن مسارات التنمية الحديثة، عبر استخدام المسح الليزري ثلاثي الأبعاد والذكاء الاصطناعي في توثيق المواقع الأثرية، وبناء أرشيفات رقمية دقيقة، وتطوير السياحة الثقافية، وتحويل المواقع التاريخية والفعاليات التراثية إلى روافد اقتصادية تدعم المؤسسات الصغيرة والحرفيين وتوفر فرصاً جديدة للعمل.
وتمضي المملكة، اتساقاً مع الرؤى الملكية السامية والتوجهات الحكومية، في ترسيخ حضورها الثقافي عالمياً من خلال صون الهوية الوطنية، وتعزيز مكانة التراث كقوة ناعمة وجسر للتواصل الحضاري، بالتوازي مع تمكين الشباب وتطوير الحرف والصناعات الإبداعية، بما يجعل حفظ الذاكرة الوطنية استثماراً مستداماً في الاقتصاد والثقافة والمستقبل.
التوثيق الرقمي والذكاء الاصطناعي لحفظ الذاكرة الوطنية
أوضحت هيئة البحرين للثقافة والآثار، خلال تنظيمها ورشة عمل للتوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد للتراث الثقافي عام 2025، أن القطاع الثقافي والتراثي في المملكة يشهد تحولاً نوعياً يعتمد على استخدام تقنيات المسح الليزري ثلاثي الأبعاد والذكاء الاصطناعي لتوثيق المواقع الأثرية والمعالم التاريخية في مختلف المحافظات.
وأكدت الهيئة في وقت سابق أن هذه الحلول التقنية الحديثة أسهمت في بناء أرشيفات رقمية فائقة الدقة تحمي الإرث المعماري، ولا سيما في مدينة المحرق القديمة، بما يضمن استدامته وصيانته وإتاحته بصورة تفاعلية عبر المنصات الافتراضية للباحثين والزوار من مختلف أنحاء العالم.
ويمثل «مسار اللؤلؤ»، المدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، نموذجاً حياً لدمج التكنولوجيا بالموروث التاريخي، إذ تتيح التقنيات الحديثة صون التاريخ العريق لمهنة الغوص وصيد اللؤلؤ وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة معاصرة.كما تسهم هذه الأدوات في رسم الخرائط المكانية وتتبع عمليات الترميم بدقة عالية، وتوفر مرجعاً علمياً يوثق المواقع التاريخية ويدعم ملفات المملكة لدى المنظمات الدولية المعنية بالثقافة والتراث.
عائد اقتصادي وسياحة ثقافية مستدامة
أثبتت الاستثمارات في البنية التحتية الثقافية، بالتوازي مع التحول الرقمي، نجاحها في دعم التنوع الاقتصادي وزيادة التدفق السياحي الوافد إلى المملكة.
وتحولت الفعاليات والمهرجانات الثقافية، ومن بينها «مهرجان ليالي المحرق»، إلى منصات اقتصادية حيوية تنعش الأسواق المحلية، وتوفر فرصاً واعدة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والحرفيين البحرينيين لعرض منتجاتهم في بيئة تراثية جاذبة.
ويعزز التكامل بين هيئة البحرين للثقافة والآثار وقطاع السياحة القدرة التنافسية للمملكة، من خلال تحويل المواقع التراثية المسجلة دولياً إلى نقاط جذب رئيسية ضمن البرامج السياحية الإقليمية والدولية.
كما يسهم هذا التوجه التنموي في إيجاد وظائف جديدة في مجالات الإرشاد السياحي والتصميم وإدارة الفعاليات الثقافية، بما يوسع الأثر الاقتصادي للاستثمار في الثقافة والتراث.
التراث قوة ناعمة ورسالة دبلوماسية
تتجلى أهمية المبادرات الخارجية والمعارض الدولية التي تنظمها هيئة البحرين للثقافة والآثار أو تشارك فيها، بالتعاون مع مجلس التنمية الاقتصادية، في إبراز تاريخ المملكة العريق وبناء جسور للتواصل الحضاري والتبادل الثقافي مع مختلف دول العالم.
ومن خلال المشاركات البحرينية الرسمية في المحافل العالمية والفعاليات الثقافية، ومن بينها معارض «إكسبو» الدولية و«مهرجان البحرين السنوي للتراث»، تقدم المملكة نموذجاً متكاملاً لتسخير التراث في ترسيخ مفاهيم السلام والتسامح، وإبراز دور البحرين التاريخي باعتبارها مركزاً تجارياً وثقافياً وملتقى للحضارات.
وفي سياق متصل، يمثل تمكين الشباب البحريني وإشراكه في «برنامج الحرف والصناعات التقليدية والإبداعية»، الذي ينظمه مركز الجسرة للحرف اليدوية التابع للهيئة، خطوة أساسية لضمان انتقال هذا الموروث بين الأجيال بصورة عصرية ومبتكرة.
وتؤكد هذه البرامج المتخصصة أن حفظ التراث وصونه، من خلال تدريب الكوادر الوطنية على الحرف التقليدية، مثل «الكورار» وصناعة الفخار والصناديق المبيّتة، لا يمثل مجرد احتفاء بالماضي، بل يشكل استثماراً استراتيجياً في الحاضر والمستقبل.
وتثبت مملكة البحرين، من خلال دمج التراث بآليات الاقتصاد الرقمي والتمكين الحرفي، أن الأصالة والتطور يسيران في مسار واحد، وأن توثيق التاريخ الوطني بالتقنيات الحديثة وتحويله إلى محرك اقتصادي وثقافي يعكس رؤية بحرينية متقدمة تعزز حضور المملكة وتأثيرها على الساحة الدولية.