بقلم: م. غادة محمد السيد
وكما أسلفتُ، منذ أكثر من نصف قرن، تفتح البحرين أبواب معرضها السنوي للفنون التشكيلية. تتغير الأجيال، وتتبدل الأساليب، وتتسع مساحة الفن من الرسم والنحت إلى الصورة والتركيب والفيديو وغيرها من الوسائط المعاصرة.
وآخرها المعرض التشكيلي السنوي في دورته الثانية والخمسين هذا العام، وجمع 75 فناناً بتجارب ومقاربات بصرية متعددة، وعُرض في أجمل حُلّة.
عرف الجميع عدد الفنانين والأعمال والجوائز، ولكن ثمة رقماً يصعب العثور عليه: كم شخصاً دخل هذه المعارض؟ وكيف خرج منها؟ قد تكون هذه الأرقام موجودة، ولكنها لم تُعرض للتناول البحثي.
السؤال ليس عن الحضور وحده، بل عن المشاهدة. فما المسافة بين أن ندخل معرضاً فنياً وأن نتعلم بالفعل كيف نرى؟
بمعنى آخر، راكم الفن التشكيلي في البحرين حضوراً لافتاً، وتعاقبت أجيال من الفنانين الذين انتقلوا من تصوير البحر والسيف وبساطة الإنسان والحياة اليومية إلى التعبيرية والانطباعية والتجريد وفنون التركيب المعاصرة.
أصبحت لدينا، بهذا المعنى، ذاكرة بصرية متنوعة وثرية. لكن هل تطورت لغة المشاهد بالسرعة نفسها التي تطورت بها لغة الفنان؟
ربما تبدأ الثقافة البصرية من هذه المسافة الضبابية.
- في البحث عن لغة العين:
نقف أحياناً أمام عمل فني، فنبحث سريعاً عما نعرفه: بيت، بحر، وجه، نخلة، لون حميم. وإذا لم نجد الشكل المألوف، نقول: «لم أفهم العمل».
لكن الفنان المعاصر قد لا يريد أن يقدّم البحر كما نراه، بل كما يتذكره، سواء أكانت ذكرى سعيدة أم قاسية، وقد لا يرسم البيت، بل أثره؛ وقد يستخدم اللون أو الفراغ أو المادة ليجعلنا نبحث عن معنى يعجز عن التعبير عنه بالكلمات.
لكن الفن يتكلم كل اللغات إذا ما فهمناه وتحالفنا معه، لكنه لا يُظهر أسراره من النظرة الأولى والمرور العابر.
وهنا تحتاج العين إلى التدريب، وليس المقصود أن نتعلم مصطلحات معقدة، أو أن يتحول كل زائر إلى ناقد فني.
ربما يكفي أن نبدأ بأدوات بسيطة: أن نتوقف قبل أن نمر، وأن نلاحظ قبل أن نحكم، وأن نسأل قبل أن نقرر أننا فهمنا أو لم نفهم.
ماذا أرى فعلاً؟ ما الذي جذب عيني أولاً؟ لماذا اختار الفنان أو الفنانة هذه المادة أو هذا اللون؟ ماذا تغير حين ابتعدت عن العمل أو اقتربت منه؟ وماذا رأى الشخص الواقف بجانبي ولم أره أنا؟
بهذه الأسئلة الصغيرة تبدأ العين في اكتساب لغتها ورؤية ما يفشل الفنان أحياناً عن شرحه، لكن العين لا تتعلم وحدها. وهنا يظهر دور ربما لم يأخذ المساحة نفسها التي أخذها الإنتاج الفني في منطقتنا: النقد الفني.
من اللافت أنه بينما نستطيع العثور على أعداد الفنانين والمعارض والجوائز، يصعب العثور على بيانات محلية أو حتى خليجية موثقة تقيس حجم الكتابة النقدية المصاحبة لهذا النشاط، وهذه الفجوة تستحق التوقف عندها.
وقد طُرح السؤال نفسه في الإمارات منذ سنوات. ففي لقاء نُشر في صحيفة «البيان» الإماراتية، تحدث الفنان والناقد الإماراتي علي العبدان عن وجود فراغ في النقد التشكيلي المتخصص، وأن جانباً من الكتابة حول الفن ظل قائماً على جهود فردية، مؤكدًا أن وظيفة النقد ليست إصدار الأحكام بقدر ما هي المساعدة على الفهم وتطوير الثقافة البصرية.
وربما لهذا السبب أنشأت دائرة الثقافة في الشارقة جائزة متخصصة للبحث النقدي التشكيلي، وصلت في عام 2026 إلى دورتها السابعة عشرة؛ في اعتراف مؤسسي واضح بأن إنتاج الفن يحتاج إلى إنتاج معرفي ونقدي يوازيه.
فالناقد، في هذا المعنى، لا يقف بين المشاهد والعمل ليخبره بما هو جميل ويستحق التقدير، إنما يفتح نافذة أخرى للرؤية: يضع العمل في سياقه، ويقارن، ويسأل، ويكشف علاقة الشكل بالفكرة، ويشحذ لدى الفنان إبداعاً نوعيّاً وليس كميًا للمنتج الفني. ومن ثم يمنح المتلقي مساحةً بمفردات جمالية تساعده على صياغة ما يشعر به ويراه.
وقد تكون هذه إحدى المساحات التي تحتاج إلى النمو بالتوازي مع ازدهار موسم المعارض في البحرين: ليس المزيد من التغطية التي تخبرنا من افتتح المعرض ومن فاز بالجائزة فحسب، بل المزيد من الكتابة التي تسأل: ماذا حدث داخل العمل؟ ماذا أضاف؟ وكيف يعكس تحولات الفنان والمجتمع والذاكرة؟
إن بناء ثقافة بصرية لا يبدأ من تعليم الناس ما هو الفن الجيد وما هو الفن السيئ، بل يبدأ بمنحهم الثقة والأدوات لكي ينظروا، ويتساءلوا، ويختلفوا، ثم يعودوا إلى العمل مرة أخرى.
لدينا فن غزير، وتاريخ فني يستحق الاحتفاء. وربما تكون خطوتنا التالية ألا نكتفي بإنتاج ما يستحق المشاهدة، بل أن نبني عيناً تعرف كيف تراه. وللحديث بقية..