أحياناً تسمع قصة تجعلك تفكر في الظلم والعدالة الوظيفية، وكم من إنسان ذهب إلى عمله كل صباح يحمل على كتفيه أكثر من حقيبة، يحمل قلقه، وصمته، وخوفه من مدير لا يرحم، أو زميل يتعمّد إيذاءه، أو بيئة لا تعرف سوى الضغط واللوم والتقليل من الجهد. وقد يبدو الموظف أمام الآخرين صامداً، يؤدي مهامه ويبتسم، بينما يخوض في داخله معركة لا يراها أحد. وفي بعض الحالات، يصل القهر إلى درجة تجعل الإنسان يختار الرحيل، لا لأنه يكره العمل، وإنما لأنه لم يعد قادراً على احتمال ما يحدث له داخله.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد إنتاجية أو لوائح وظيفية: أي بيئة عمل نريد أن نبني؟ هل نريد مكاناً يحصل فيه الإنسان على راتبه مقابل أن يخسر راحته وكرامته وصحته؟ أم نريد بيئة تحفظ للإنسان حقه في العمل، وفي الوقت نفسه تحفظ له إنسانيته؟
وقد جعل الإسلام حفظ الإنسان وكرامته قيمة أصيلة، وحذّر من الظلم والإيذاء، فقال تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)، وهي قاعدة تتجاوز المال إلى تقدير الإنسان وجهده وحقه في المعاملة العادلة. وقال سبحانه: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). وفي الحديث الشريف: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو مبدأ عظيم في التعامل الإنساني، يرفض أن يكون الإنسان مصدرًا للأذى أو ضحية له.
وليس المقصود أن كل حزن يؤدي إلى مرض أو أن كل ضغط ينتهي بالموت، فهذه أمور تختلف من إنسان إلى آخر، لكن من القسوة أن نتعامل مع المعاناة النفسية وكأنها أمر لا قيمة له. فالضغط المهني المستمر قد يستنزف الإنسان نفسياً وجسدياً، وقد يدفع بعض الموظفين إلى الانسحاب والعزلة أو ترك العمل بحثاً عن مكان أكثر أماناً واحتراماً. وبعض القصص الإنسانية تترك في النفس سؤالاً مؤلماً: هل كان يمكن أن يكون كل شيء مختلفاً لو وجد الإنسان كلمة رحيمة، أو مديراً عادلاً، أو زميلاً يسانده؟
ومن هنا تبدأ أخلاقيات العمل. فالأخلاق ليست أن نبتسم أمام المدير فقط، ولا أن نلتزم باللوائح خوفاً من العقوبة؛ الأخلاق أن نحترم الإنسان عندما نختلف معه، وألا نستغل حاجته إلى الوظيفة لإهانته، وألا ننسب إنجازه إلى غيره، وألا نحمّله أخطاء لم يرتكبها، وألا نجعل السلطة وسيلة لإذلال من هم تحت مسؤوليتنا.
والقائد الأخلاقي يدرك أن وراء كل موظف إنساناً له أسرة ومشاعر وظروف وأحلام.. لذلك لا يستخدم الخوف لإدارة فريقه، بل يبني الثقة، ولا يجعل الخطأ سبباً للإهانة، وإنما فرصة للتعلم والتصحيح. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء».
إن المؤسسة الناجحة ليست التي تحقق الأرقام فقط، وإنما التي تحقق أهدافها دون أن تسحق الإنسان في الطريق. فالإنجاز الذي يُبنى على الخوف قد يستمر فترة، لكنه لا يصنع ولاءً حقيقياً، أما الاحترام والعدل فيصنعان الانتماء.
وعلينا أن نتذكر أن الموظف قد ينسى تفاصيل كثيرة من سنوات عمله، لكنه لن ينسى من أكرمه عندما كان ضعيفاً، ولا من ظلمه عندما كان محتاجاً. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن تقدمه بيئة العمل ليس راتباً في نهاية الشهر فقط، بل كرامة في كل يوم. فحين نحفظ للإنسان كرامته، نحفظ للمؤسسة روحها، وحين تصبح الأخلاق ثقافة لا شعاراً، يصبح العمل مكاناً للحياة والعطاء، لا ساحة للقهر والإنهاك.