هناك مؤتمرات تنتهي بانتهاء أيامها، وهناك مؤتمرات تترك وراءها ما يستحق التوقف عنده. ومع ختام مؤتمر ومعرض الابتكار في قطاع السكن الاجتماعي 2026، أجد أن قيمته الحقيقية لم تكن في عدد الجلسات أو الأجنحة، بل في الصورة التي قدمها لمستقبل الإسكان في البحرين، صورة تقول إن المسألة لم تعد بيتاً يُبنى ويسلَّم، بل استقراراً يبدأ من البيت ويمتد إلى الحي والطريق والخدمة، وتشارك في صناعته الحكومة والمطور والمستثمر والمهندس والمخطط.
وتأتي هذه الصورة في وقت تحمل فيه البحرين طموحاً كبيراً، مع التوجيه الملكي السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بتوفير 50 ألف وحدة سكنية، ومع انعقاد المؤتمر تحت الرعاية الكريمة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله. فالخمسون ألف وحدة ليست رقماً إسكانياً فحسب، بل آلاف الأسر التي تنتظر الاستقرار، وأحياء جديدة ستصبح جزءاً من مستقبل البحرين.
ومن هنا يستحق ما قدمته وزارة الإسكان والتخطيط العمراني في المؤتمر إشادة كبيرة. فبعيداً عن التنظيم المتميز والصورة المشرفة للحدث، نجحت الوزارة في جمع أطراف المعادلة حول هدف واحد، والأهم أنها قدمت ما يؤكد أن الحديث عن الابتكار والشراكة يتحول بالفعل إلى عمل على الأرض. فتوقيع عقد تطوير أكثر من 2,500 وحدة سكنية في مدينة خليفة بالشراكة مع القطاع الخاص ليس مجرد رقم جديد يضاف إلى المشروعات، بل نموذج لطريقة مختلفة في الوصول إلى الهدف. وحين تلتقي الرؤية الحكومية مع خبرة المطور وإمكانات المستثمر وبرامج التمويل الإسكاني، تتسع الخيارات أمام المواطن، وتتحول الشراكة من مصطلح نسمعه إلى بيت تسكنه أسرة بحرينية.
لكن البيت لا يعيش وحده، وهنا يأتي الدور المحوري لـهيئة التخطيط والتطوير العمراني. ففي البحرين، حيث لكل قطعة أرض قيمتها، لا يكفي أن نبني المنزل، بل علينا أن نفكر فيما حوله، في الطريق والخدمة والمرفق والمساحة العامة والحي الذي سيكبر معه. خط صغير على مخطط اليوم قد يصبح غداً طريقاً يسلكه الآلاف، وقرار بشأن استخدام أرض قد يرسم شكل منطقة كاملة لعقود. وربما لا يعرف المواطن اسم المهندس أو المخطط الذي اتخذ ذلك القرار، لكنه سيعيش داخل نتائجه سنوات طويلة. ولهذا تستحق الكفاءات الوطنية التي تقف خلف هذا العمل كل التقدير، كما تستحق سعادة السيدة آمنة بنت أحمد الرميحي، وزيرة الإسكان والتخطيط العمراني، وسعادة المهندس أحمد عبدالعزيز الخياط، الرئيس التنفيذي لهيئة التخطيط والتطوير العمراني، الإشادة بما نشهده من حراك في الإسكان والتخطيط، ومعهما فرق العمل في الوزارة والهيئة وبنك الإسكان التي تعمل بعيداً عن الأضواء، بينما يبقى أثر عملها حاضراً في حياة الناس.
وبصراحة.. ومع إسدال الستار على مؤتمر ومعرض الابتكار في قطاع السكن الاجتماعي 2026، تبقى بالنسبة لي فكرة واحدة تختصر كل ما سبق، نجاح الإسكان لا يقاس بعدد البيوت التي نبنيها وحده، بل بنوعية الحياة التي نبنيها حولها. وبعد سنوات، قد لا يتذكر المواطن عدد جلسات المؤتمر أو أسماء أجنحته، لكنه سيتذكر البيت الذي استقر فيه، والحي الذي كبر فيه أبناؤه، والطريق الذي اختصر يومه. وهذه التفاصيل البسيطة في حياة الناس هي، في النهاية، المقياس الأصدق لقيمة كل ما شهدناه في المؤتمر.