في الأول من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمسنين، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتذكيرنا بمكانة كبار السن ودورهم في بناء المجتمعات. ليست هذه المناسبة مجرد تاريخ في التقويم، بل هي وقفة صادقة نراجع فيها علاقتنا بمن سبقونا في دروب الحياة.
كبار السن هم ذاكرة الأمم الحية. في عقولهم تجارب سنين طويلة، وفي قلوبهم حكايات تعلمنا الصبر والقناعة والعمل. حين نجلس إلى جدٍّ أو جدة، نتعلم ما لا تعلمه الكتب: كيف نواجه الشدائد، وكيف نحافظ على قيمنا وسط التغيرات المتسارعة. وهم الذين أعطوا بلا حساب، فربّوا الأجيال وبنوا البيوت وأسهموا في نهضة أوطانهم بجهدهم وعرقهم.
ومع ذلك، يواجه كثير من المسنين تحديات حقيقية، أبرزها الوحدة والإهمال وضعف الرعاية الصحية. فقد تنشغل الأسرة بمتطلبات الحياة، ويُترك الأب أو الأم ساعاتٍ طويلة بلا زيارة أو حديث. والحقيقة أن أكثر ما يحتاجه المسن ليس المال ولا الهدايا، بل الإحساس بأنه مرغوب فيه، وأن وجوده ما زال يصنع فرقاً في حياة من حوله.
وقد أوصانا ديننا الحنيف ببرّ الوالدين وإكرام الكبير، فجعل ذلك عبادة وخلقاً رفيعاً. وقال النبي الأكرم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا». وهذه التوجيهات تجعل رعاية المسنين واجباً أخلاقياً قبل أن تكون التزاماً اجتماعياً، وتدعونا إلى أن نجعل احترامهم جزءاً من سلوكنا اليومي.
فكيف نحتفي بهم في يومهم؟ يمكن أن نبدأ بأفعال بسيطة: زيارة منتظمة، ومكالمة هاتفية دافئة، وجلسة نصغي فيها إلى قصصهم دون استعجال. ويمكن للمؤسسات أن تنظم برامج وفعاليات تطوعية، من قبل مؤسسات الحكومية والأندية الاجتماعية تقرّب الأطفال وناشئة من أجدادهم، وللدول أن تطوّر خدمات صحية واجتماعية تحفظ كرامة كبار السن وتضمن لهم حياة مطمئنة.
كما أن إشراك المسنين في الحياة العامة مكسبٌ للجميع، فخبراتهم تستحق أن تُستثمر في الاستشارة والتوجيه ونقل المهارات إلى الشباب. فالمجتمع الذي يستفيد من حكمة كبارٍ فيه وحماسة شبابه يسير بخطى أكثر ثباتاً وتوازناً، ويضمن استمرار القيم من جيل إلى جيل دون انقطاع.
وفي الختام، إن كبار السن ليسوا عبئاً على أحد، بل هم كنزٌ نادر يزداد قيمة بمرور السنين. فهم الجذور التي تثبّت الشجرة، وبدونها لا تقوم للثمار قائمة في أي زمان. وما نقدمه لهم اليوم من احترام ورعاية سنجده غداً حين نصل إلى أعمارهم، فالحياة دائرة تعيد إلينا ما نزرعه. فلنجعل من هذا اليوم بداية لعلاقة أقرب وأكثر دفئاً مع آبائنا وأجدادنا، ولنقل لهم بصدق: شكراً لأنكم كنتم ولا تزالون سندنا وضياء دروبنا.