- - تخصيص أرباح «ممتلكات» للصندوق يثير إشكاليات قانونية ويؤثر على أدائها المالي
- - اعتماد مالي من الميزانية العامة للصندوق قد يضغط على أولويات الإنفاق والخدمات
- - مشروع القانون يفتقر إلى دراسات الجدوى الاقتصادية والمالية والفنية اللازمة
- - الحكومة تبحث مسارات بديلة لتحقيق أهداف المشروع ضمن استراتيجية تطوير القطاع الصناعي
من المقرر أن تناقش السلطة التشريعية، في دورها المقبل، مشروع قانون نيابياً بإنشاء «صندوق التنمية الصناعية»، بهدف تشجيع الاستثمار ودعم المشاريع الصناعية البحرينية وخلق فرص العمل وتمويل المشاريع المستقبلية، فيما أبدت الحكومة موقفاً متحفظاَ على المضي في المشروع بصيغته الحالية، داعية إلى إعادة النظر فيه، بسبب تداخل أهدافه ومهامه مع اختصاصات جهات قائمة، وافتقاره إلى دراسات الجدوى الاقتصادية والمالية والفنية اللازمة، إلى جانب ما قد يترتب على تمويله من أرباح شركة ممتلكات البحرين القابضة والميزانية العامة من إشكاليات قانونية وأعباء مالية.
ويتألف مشروع القانون، فضلاً عن ديباجته، من واحد وعشرين مادة، إذ تناولت المادة (1) تعريفات بعض الكلمات والعبارات الواردة في مشروع القانون.
وتناولت المواد من (2) إلى (4) الأحكام المتعلقة بإنشاء الصندوق وأهدافه ومهامه وصلاحياته. أما المواد من (5) إلى (15)، فتناولت الأحكام المتعلقة بتشكيل مجلس إدارة الصندوق، ومدة العضوية وحالات الإعفاء من المنصب، ومهام المجلس وصلاحياته، والاجتماعات والنصاب والتصويت، وتعارض المصالح، والرئيس التنفيذي للصندوق، ومهام الرئيس التنفيذي وصلاحياته، واستقالته وإعفاءه، ورقابة الوزير.
فيما تناولت المواد من (16) إلى (20) موارد الصندوق، وإنفاق موارده، وتدقيق الحسابات، وتدقيق الأداء، والإفصاح عن الذمة المالية. وأخيراً، جاءت المادة (21) تنفيذية، تحدد المعنيين بتنفيذ أحكامه وتاريخ العمل به.
ويهدف مشروع القانون، حسبما جاء في مذكرته الإيضاحية، إلى إنشاء مؤسسة عامة تُسمى «صندوق التنمية الصناعية»، تكون لها الشخصية الاعتبارية، وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتخضع لرقابة الوزير الذي يصدر بتسميته مرسوم. ويسعى المشروع إلى تشجيع الاستثمار الصناعي، ودعم المشاريع الصناعية البحرينية، وخلق فرص العمل للمواطنين في القطاع الصناعي، ودعم تحول القطاع الصناعي نحو الثورة الصناعية الرابعة والمشاريع الصناعية المستقبلية في مجالات الطاقة المتجددة والبتروكيماويات والهيدروجين الأخضر والأزرق والصناعات التحويلية والصناعات الغذائية والدوائية والإلكترونيات.
وبيّنت الحكومة أنها، إذ تقدر الأهداف التي يرنو إليها مشروع القانون المقترح، ومساعي مجلس النواب من أجل تحقيقها، إلا أنها، ومن منطلق حرصها التام على وجوب اتفاق مشروع القانون مع أحكام التشريعات المعمول بها، وعدم تعارضه معها أو تكراره لها، تبدي بشأنه الملاحظات الآتية:
الملاحظة الأولى: تداخل أهداف ومهام الصندوق المقترح إنشاؤه مع مهام وصلاحيات جهات ومؤسسات قائمة في هذا القطاع
من المقرر أن كل تنظيم تشريعي يفترض أن يفضي إلى بلوغ أغراض بعينها، متخذاً من القواعد القانونية التي تبناها سبيلاً إليها، وأن يكون مشروع القانون قد أتى بجديد. فالمشرع يصوغ القوانين ليقرر بموجبها أحكاماً جديدة لمصلحة يقدرها، لا ليؤكد ذات المعاني والأحكام التي تتضمنها نصوص قائمة بالفعل.
كما أنه من المقرر، عند إعداد مشروع قانون ما، أن يُصاغ على نحو يتناسب مع السياق القانوني القائم، ويقصد بذلك أن تكون نصوص التشريع أو القانون المقترح منسجمة مع بعضها بعضاً، من دون تعارض فيما بينها من ناحية، ومع النصوص ذات الصلة في التشريعات النافذة والقوانين المرتبطة القائمة من ناحية أخرى، وليس بمعزل عنها. إذ يجب أن تكون المنظومة التشريعية كلها بمثابة بناء واحد، وأن يكون التشريع أو القانون المقترح بمثابة لبنة في هذا البناء، من دون خروج عن هيكل هذا البناء في مجمله.
وحيث يهدف مشروع القانون المقترح إلى إنشاء مؤسسة تُسمى «صندوق التنمية الصناعية»، تكون لها الشخصية الاعتبارية وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتختص بتشجيع الاستثمار الصناعي، ودعم المشاريع الصناعية البحرينية، وخلق فرص العمل الواعدة للمواطنين، وتمويل إنشاء المشاريع الصناعية، فإن الحكومة تؤكد أن هناك العديد من الجهات التي تتكاتف جهودها وتعمل كوحدة واحدة من أجل تحقيق ذات الأهداف والمهام المراد تخصيصها لهذا الصندوق.
ومن بين هذه الجهات مجلس التنمية الاقتصادية، المعني بجذب وترويج الاستثمارات الصناعية، وصندوق العمل «تمكين»، المسؤول عن تقديم الدعم المالي والفني للمؤسسات الصناعية، ووزارة الصناعة والتجارة، الجهة المختصة برسم السياسات الصناعية وتنفيذها، إلى جانب مركز البحرين للمستثمرين، الذي يضطلع بتسهيل تأسيس وتشغيل المشروعات الاستثمارية، وبنك البحرين للتنمية، الممول الرئيسي للمشروعات الصناعية عبر أدوات تمويلية متخصصة.
ومع تقدير الحكومة للهدف الذي يرمي إليه مشروع القانون المقترح، فإنها ترى أنه لا تظهر مبررات عملية أو قانونية كافية لإنشاء صندوق جديد تتشابه أهدافه ومهامه مع اختصاصات وجهود جهات قائمة تؤدي ذات الدور بكفاءة وفاعلية، وتتمتع بالبنية المؤسسية والخبرة التراكمية اللازمة للقيام بمهامها.
الملاحظة الثانية: فيما يتعلق بتمويل الصندوق المقترح إنشاؤه
انطلاقاً من أحكام الدستور، ولا سيما المادة (9/ب) منه، التي تقرر أن «للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن»، وإعمالاً لمبدأ الإدارة الرشيدة لموارد الدولة، ترى الحكومة أن أي مشروع قانون يتضمن إنشاء صندوق مالي عام أو تخصيص موارد له يجب أن يلتزم بالضوابط الدستورية والمالية التي تكفل حماية المال العام وضمان توجيهه نحو تحقيق المصلحة العامة، من دون مساس بالاستقرار المالي للدولة أو انحراف عن الأغراض القانونية للأشخاص الاعتبارية ذات الصلة.
ويتجلى هذا المبدأ فيما يتعلق بتمويل الصندوق المقترح إنشاؤه، حيث تنص المادة (16) من مشروع القانون على أن يكون من بين موارده ما يُخصص له من أرباح شركة ممتلكات البحرين القابضة. وفي هذا الصدد، ترى الحكومة أن هذا التوجيه لا يتفق مع الأغراض التي أُنشئت الشركة لتحقيقها، والمحددة في عقد تأسيسها ونظامها الأساسي، والتي تتركز أساساً على إدارة الأصول واستثمارها وفق إطار مالي وتجاري محكم، بهدف تعظيم العائد على تلك الأصول، من دون الانحراف عن نشاطها الأساسي أو تحميلها التزامات خارج نطاق غرضها القانوني.
وتؤكد الحكومة أن إلزام الشركة بتمويل الصندوق على هذا النحو قد تترتب عليه بعض الإشكاليات القانونية والعملية، من بينها تجاوز الغرض القانوني للشركة ومخالفة أحكام عقد تأسيسها ونظامها الأساسي، مما يثير إشكالات دستورية وقانونية حول مدى مشروعية إلزام شخص اعتباري خاص، ولو كان مملوكاً للدولة، بتحمل التزامات مالية لا تدخل في نطاق غرضه المحدد قانوناً.
كما قد يؤدي ذلك إلى الإضرار بالأداء المالي للشركة من خلال تقييد قدرتها على استثمار أصولها وتنمية مواردها وفق استراتيجيتها المعتمدة، مما قد يؤثر على العوائد المتوقعة للدولة من نشاطها الاستثماري، فضلاً عن إحداث التباس مؤسسي بشأن العلاقة بين الشركة والصندوق، بما في ذلك الخلط بين الشخصية الاعتبارية المستقلة لكل منهما وما يترتب عليها من مسؤوليات مالية وإدارية.
وترى الحكومة كذلك أن هذا التوجه قد يؤدي إلى الإخلال بمبدأ حرية الإرادة التعاقدية، إذ إن شركة ممتلكات البحرين القابضة، رغم كونها مملوكة للدولة، تعد من أشخاص القانون الخاص، وتخضع لأحكام قانون الشركات التجارية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2001، وتتمتع بشخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة، ولا تندرج أموالها ضمن الميزانية العامة. ومن ثم، فإن إلزامها بتمويل الصندوق يُعد تدخلاً في إدارتها المالية من دون سند من طبيعة نشاطها أو عقد تأسيسها ونظامها الأساسي.
وفي ذات السياق، تشير الحكومة إلى أن المادة ذاتها نصت كذلك على تخصيص اعتماد مالي للصندوق ضمن الميزانية العامة، وهو ما يشكل عبئاً مالياً جديداً عليها، لما يترتب عليه من استقطاع جزء من الموارد المالية العامة المقررة لقطاعات وخدمات قائمة، أو زيادة الالتزامات المالية السنوية، الأمر الذي قد يؤثر على أولويات الإنفاق العام المقررة.
كما أن أي التزام مالي جديد يجب أن يخضع، وفقاً لأحكام الدستور، لمبدأ السنوية في الميزانية العامة ومبدأ الشمول، وأن يتم إدراجه ضمن مشروع الميزانية العامة للدولة بعد دراسة أثره على الإيرادات والنفقات، والتأكد من عدم الإضرار بالالتزامات الأساسية للدولة تجاه مواطنيها في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
الملاحظة الثالثة: افتقار مشروع القانون المقترح إلى الدراسات الاقتصادية والمالية اللازمة لبيان الجدوى من إنشاء الصندوق محل مشروع القانون المقترح
انطلاقاً مما تقرره مبادئ الحوكمة الرشيدة من ضرورة الاستناد إلى دراسات فنية ومالية واقتصادية وافية قبل اتخاذ أي قرار من شأنه إحداث أثر مالي أو اقتصادي على الدولة، ترى الحكومة أن إصدار التشريعات المنظمة لإنشاء الكيانات المالية العامة يجب أن يكون مؤسساً على تقييم علمي مسبق، يضمن سلامة القرار ويحقق المصلحة العامة.
وفي هذا الإطار، تشير الحكومة إلى افتقار مشروع القانون المقترح إلى الدراسات الاقتصادية والمالية والفنية اللازمة التي تظهر، على نحو واضح ومحدد، الجدوى الفعلية من إنشاء الصندوق محل مشروع القانون، ومدى توافقه مع السياسات الاقتصادية والمالية العامة للدولة.
فمن منظور اقتصادي، ترى الحكومة أن أي تشريع يتضمن إنشاء مؤسسة مالية، أو كيان مالي أو استثماري عام، يستوجب، كشرط أولي وضروري، إعداد دراسات معمقة ومتعددة الأبعاد، تتناول، على وجه الخصوص، تحليل الجدوى الاقتصادية الكلية والجزئية، وتقدير الأثر المالي المباشر وغير المباشر، وتحديد مصادر التمويل واستدامتها، وقياس مدى توافق الأهداف المعلنة لتلك المؤسسة مع أولويات التنمية الوطنية، فضلاً عن دراسة المخاطر المالية والاقتصادية المحتملة، ووضع بدائل أو سيناريوهات مختلفة لتحقيق الغايات المرجوة.
كما أن الالتزام بمبادئ الحوكمة الرشيدة والإدارة الرشيدة للمال العام يفرض ضرورة التقييم المسبق لأي التزام مالي أو إنشائي، بما يحول دون إحداث أعباء مالية غير مدروسة على الميزانية العامة أو المساس بالتوازن المالي والاستقرار الاقتصادي.
وعليه، فإن الحكومة ترى أن المضي في إصدار مشروع القانون المقترح، من دون استكمال تلك الدراسات التفصيلية والمستقلة من الجهات المختصة، من شأنه أن يعرض الموارد العامة لمخاطر غير محسوبة، الأمر الذي يقتضي التريث وإجراء الدراسات اللازمة قبل البت في جدوى إنشاء الصندوق محل مشروع القانون، أو تقرير عدم المضي فيه.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة تنوه إلى أنها تعكف حالياً على بحث المسارات التي تحقق أهداف مشروع القانون المقترح، بما يتوافق مع التشريعات المعمول بها، وبما لا يتداخل مع اختصاصات باقي الجهات القائمة على دعم القطاع الصناعي. ويأتي ذلك في إطار استراتيجية شاملة يجري العمل على تنفيذها حالياً لتطوير هذا القطاع الحيوي، باعتباره من القطاعات ذات الأولوية.
وأخيراً، فإن الحكومة تشاطر هيئة التشريع والرأي القانوني في كافة الملاحظات التي أبدتها في مذكرتها المرفقة بمشروع القانون، وتحيل إليها منعاً للتكرار. واستناداً إلى جميع ما تقدم، فإن الحكومة، ومع كامل تقديرها لدور مجلس النواب في العملية التشريعية، تأمل إعادة النظر في مشروع القانون المقترح.