خرجتُ من افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب، وأنا أحمل شعوراً عميقاً بالفخر والاطمئنان. فقد استمعتُ إلى خطابٍ لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظّم، حفظه الله ورعاه، وجدته من أكثر خطابات جلالته جمعاً لقضايا الوطن وإحاطةً بمتطلبات المرحلة؛ خطاباً جمع حكمة القيادة، وصلابة الموقف، ووفاء القلب، واستشراف المستقبل.
استوقفني منذ البداية تأكيد المسؤولية الوطنية المشتركة، وما يحمله اجتماع مؤسسات الدولة من معنى يتجاوز مراسم الافتتاح إلى جوهر العمل الوطني. فالسلطات، على اختلاف اختصاصاتها، يجمعها مقصد أسمى: بناء المملكة وخدمة شعبها وصون مكتسباتها. ومن هنا، فإن التعاون الدستوري والجهد المشترك يمثلان أساساً لتحويل تطلعات القيادة إلى إنجاز يلمسه المواطن في حياته.
وفي تناول الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، جاء الموقف واضحاً في الدفاع عن سيادة البحرين وأمنها، ورفض انتهاك مبادئ حسن الجوار وتعريض المنطقة للخطر. وقد قرأتُ في هذا الموقف رسالةً بأن السلام يحتاج إلى احترام متبادل والتزام يحمي الدول وشعوبها، وأن أمن الممرات المائية ومواجهة مخاطر أسلحة الدمار الشامل مسؤولية تتصل باستقرار المنطقة والعالم.
وكانت إشادة جلالته بقواتنا الدفاعية والأمنية، وبجاهزيتها وجهودها الاستباقية، مصدر اعتزاز لكل بحريني. وهي إشادة تذكّرنا بأن الطمأنينة التي نعيشها تقف وراءها كفاءات مخلصة وتضحيات مستمرة ومنظومة تتطور لحماية الوطن. كما أن تقدير جهود الحكومة، بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، يؤكد أهمية استمرار الخدمات والتنمية بكفاءة، حتى في أصعب الظروف.
ومن أعمق ما حمله الخطاب، في نظري، الدعوة إلى تحويل دروس التحديات إلى عمل مثمر. فالمطلوب أن تُترجم التجربة إلى استعداد أفضل، وتخطيط أكثر استباقية، ومؤسسات أقدر على حماية المجتمع ومواصلة التنمية.
أما إعلان الأول من يونيو من كل عام مناسبة وطنية وإجازة رسمية باسم «يوم العهد والولاء»، فقد حمل دلالة وجدانية ووطنية عظيمة، لارتباطه بيوم توقيع جلالته وثيقة الشكر والوفاء لشعب البحرين الكريم. إنه وفاء متبادل بين قائد وشعب، وتخليد لتلاحم وطني أثبت أن وحدة البحرينيين حصنٌ يحمي وطنهم.
وفي الإشادة بمواقف دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، تتجلى قيمة الأخوّة التي تثبتها المواقف في الشدة والرخاء. إن تقدير جلالته لدعم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يعكس عمق العلاقة بين البلدين، وما يجمعهما من ثقة وتضامن ووحدة في المقصد والمصير.
وجاء إعلان العام المقبل «عام عيسى بن سلمان» ليصل الحاضر بجذوره، وفاءً للسيرة العطرة لصاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، والد الجميع وباني نهضة البحرين الحديثة. وأرى في هذا التكريم دعوةً للأجيال إلى استلهام عطائه ومواصلة نهجه في خدمة الوطن والإنسان.
كما أن حضور البحرين في مجلس الأمن، وما أشار إليه الخطاب بشأن القرار 2817، يؤكدان أهمية دبلوماسية السلام في تعزيز دور المملكة وحضورها الدولي. وهذه المكانة تضع أمامنا مسؤولية مواصلة الإسهام في السلم والاستقرار، انطلاقاً من إرثنا الحضاري وقيمنا الإنسانية.
وقد وجدتُ في التوجيه إلى تحديث التشريعات وتعزيز الاستثمار والاقتصاد المعرفي وحماية البيئة والأمن الغذائي والمائي، وفي التطلع إلى رؤية البحرين 2050، ترابطاً بين أمن الوطن ومستقبل أبنائه. فالتنمية تستمد معناها من أثرها في المجتمع، ومن قدرتها على تلبية احتياجات الحاضر وصون حقوق الأجيال القادمة.
وبقيت دعوة التشاور الصادق والحوار المسؤول حاضرةً في وجداني؛ ففيها روح التعايش الذي يجمعنا على الخير، ويجعل تنوعنا مصدر إثراء، ووحدتنا مصدر قوة. وهنا تكمن عظمة الخطاب: أن يحمل الحزم في حماية الوطن، والحكمة في بناء المستقبل، والقلب المفتوح للتآلف والسلام.
ربِّ اجعل هذا الوطن آمناً مستقرّاً، واحفظ البحرين وقيادتها وشعبها، وأدم علينا نعمة الوحدة والتعايش والسلام.
* المستشار لشؤون المجتمع بوزارة الداخلية