منذ السنوات الأولى للطفولة، نضع أمام أبنائنا سؤالاً يبدو بريئاً: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ طبيباً، مهندساً، مدرساً، رجل أعمال؟ ونفرح كلما اختار الطفل مهنة كبيرة في نظر المجتمع، كأن القيمة تبدأ من المسمى وتنتهي عنده. لكننا نادراً ما نسأله السؤال الأهم: ماذا تريد أن تضيف عندما تكبر؟ وهنا ربما يبدأ الخلل.
نحن نربّي أجيالاً تعرف كيف تطارد المكانة، لكنها لا تتوقف كثيراً عند معنى القيمة. تعرف كيف ترتقي في المنصب، لكنها لا تسأل لماذا تريد أن تترقى، ولا ما الذي ستفعله حين تصل للمنصب الذي تريده. ولهذا قد نرى إنسانًا ناجحًا في أعين الناس، فارغاً من الداخل، لأن كل ما جمعه كان لنفسه، وكل ما حققه توقف عند حدود اسمه.
أما الإنسان النافع، فقصته مختلفة. قد لا يعرفه كثيرون، لكنه يترك أثراً في الأماكن التي يمر بها. معلّم يغيّر مصير طالب بكلمة، طبيب يعيد لإنسان طمأنينته، موظف يختصر على أحدهم طريقاً شاقاً، أو أب وأم يربيان أبناءهما على أن العالم لا يبدأ بهم ولا ينتهي عندهم.
فالمنفعة ليست بطولة استثنائية، وليست حدثاً عابراً في يوم واحد بل هي مبدأ ومنهج للحياة، وأحياناً تكون في التفاصيل التي لا يراها أحد، وفي القرارات الصغيرة التي تجعل حياة الآخرين أقل قسوة. ويكفي أن الدين اختصر معنى الأثر في قوله تعالى (ونكتب ما قدموا وآثارهم) فالأثر هو الأبقى في الحياة الدنيا تمهيداً لقياسه في الآخرة.
وحين نتأمل في الحياة نفسها نجد أنها قاسية في حكمها الأخير. فهي لا تحتفظ طويلاً بالمناصب ولا بالألقاب. المقاعد تتبدل، الأسماء تُنسى، الصور تفقد بريقها، وما كان يوماً حدثاً كبيراً يتحول إلى سطر لا يتذكره أحد. فالذي يبقى هو ما انتقل منك إلى غيرك. ربما لذلك لا يكفي أن نعلّم أبناءنا كيف ينجحون. علينا أن نعلّمهم ماذا يفعلون بنجاحهم، وكيف يحوّلون المعرفة والفرصة والموقع إلى شيء يتجاوزهم ويؤثر في حياة الآخرين من حولهم.
فالأوطان لا تبنيها كثرة الذين يريدون أن يكونوا في المقدمة، بل الذين يفهمون أن وجودهم فيها مسؤولية، وأن النجاح الذي لا يترك أثراً خارج حدود صاحبه ليس نجاحاً كاملاً.
ولعل أقسى ما قد يكتشفه الإنسان في نهاية الطريق ليس أن الناس نسوا اسم. الأقسى أن يكتشف أنه عاش بينهم طويلاً، أخذ من الحياة كثيراً، وشغل مكاناً، وحمل لقباً، ثم غادر دون أن يترك في حياة أحد سبباً واحداً يجعلهم يتمنون لو أنه بقي.