زيد أيمن

أكدت مدير برنامج القيادات الإعلامية العربية الشابة في مركز الشباب العربي في الإمارات العربية المتحدة، رهام أبو صالحية، أن القيادة الإعلامية لا تُقاس بعدد المتابعين، وإنما بالمسؤولية تجاه الكلمة وأثرها، مشيرة إلى أن الوصول إلى الناس أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكن بناء الثقة باتت مسؤولية أصعب بكثير.

وقالت في حوار مع «الوطن»: إن «رحلتها مع المركز بدأت عام 2018 حين التحقت به كمتدربة ضمن البرنامج ذاته، وهي مهندسة كيميائية حديثة التخرج كانت تعتقد أن مستقبلها سيكون في مجال الهندسة، لتكتشف شغفها بالعمل مع الشباب وصناعة البرامج التي تترك أثراً حقيقياً في حياتهم، قبل أن تتولى إدارة البرنامج الذي دخلت المركز من خلاله، مؤكدة أن ثقة الآخرين بها سبقت ثقتها بنفسها بسنوات».

وأوضحت أبو صالحية، أن البرنامج هذا العام يجمع شباباً من 18 دولة عربية، وأن الهدف ليس أن يصبحوا نسخة واحدة، بل أن تجمعهم قيم مشتركة كالمسؤولية والمصداقية واحترام الاختلاف وفهم أثر الكلمة، مع الحفاظ على قصصهم وهوياتهم وطرق تعبيرهم عن ذاتهم، لافتة إلى أن المقياس الأهم لنجاح البرنامج هو ما يحققه الخريجون بعد انتهائه.

وفيما يتعلق بصعود الذكاء الاصطناعي، رأت أن الإنسانية ستبقى السمة التي لا تستطيع الآلة أن تحل محلها، داعية المشاركين إلى تعلم استخدام أدواته دون خوف، مشددة على أنه كلما أصبحت الأدوات أكثر ذكاء، احتاج الإعلاميون إلى أن يصبحوا أكثر إنسانية.

كما دعت أبو صالحية، الشباب المترددين إلى التقديم على البرنامج حتى لو شعروا أنهم غير جاهزين بشكل كامل، معتبرة في الوقت ذاته أن فرصة واحدة قد تغيّر مسار إنسان بالكامل. وفيما يلي نص الحوار:في عام 2018 انضممتِ إلى مركز الشباب العربي كمتدربة، ما الذي كنتِ تبحثين عنه يومها؟ وهل وجدتِه أم وجدتِ شيئاً آخر لم تكوني تتوقعينه؟

– الحقيقة أن رهام في 2018 لم تكن تعرف أنها تبحث عن كل هذا أصلاً. أنا مهندسة كيميائية، وكنت دائماً أعتقد أن مستقبلي سيكون في الهندسة. وقتها كنت قد تخرجت ولم أكن أعمل، وجاءتني فرصة تدريب في مركز الشباب العربي ضمن برنامج القيادات الإعلامية العربية الشابة، فدخلت التجربة على أنها مجرد فرصة تدريب.

لكنني وجدت شيئاً لم أكن أبحث عنه، لأنني لم أكن أعرف أصلاً أنني أحتاجه، وجدت نفسي وشغفي، ليس بالإعلام تحديداً، وإنما بالعمل مع الشباب وصناعة البرامج التي يمكن أن تترك أثراً حقيقياً في حياة شاب عربي. اكتشفت أن أكثر ما يحركني هو أن أشعر أن عملي ربما ساعد شخصاً، أو فتح له باباً، أو أسهم ولو بجزء صغير في قصته. ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا هو ما يجعلني أستمر، وأريد في كل نسخة أن أقدّم أكثر من النسخة التي سبقتها.

ما اللحظة التي شعرتِ فيها لأول مرة أنكِ لم تعودي مجرّد متدّربة، بل صاحبة رأي يُؤخذ به؟– ربما بدأت أشعر بذلك عندما أصبح الأشخاص الذين كنت أتعلم منهم في البداية يسألونني: «رهام، ما رأيكِ؟». قد تبدو جملة بسيطة، لكنها بالنسبة لشخص كان في بداية مسيرته ويشك كثيراً في قدراته، كانت تعني الكثير. شيئاً فشيئاً لم أعد أنتظر فقط أن يخبرني أحد ماذا أفعل، بل بدأت أقترح وأناقش وأقول: لماذا لا نجرّب هذه الطريقة؟ وأعتقد أن ثقة الآخرين بي سبقت ثقتي بنفسي بسنوات، وهذا أحد أكبر الأشياء التي غيّرت شخصيتي ومسيرتي.

مَن الأشخاص الذين صنعوا فرقاً في مسيرتكِ؟ وماذا تقولين لهم اليوم؟

– أول مدير للبرنامج وأول مدير لي في مركز الشباب العربي كان لهما أثر لا يمكنني أن أنساه. كنت في بداية مسيرتي، ومتردّدة جداً أحياناً في قدراتي، وأسأل نفسي دائماً: هل فعلاً أستطيع أن أفعل هذا؟ هل سأكون على قدر المسؤولية؟ لكنهما كانا يريان في داخلي شيئاً أكبر مما كنت أراه في نفسي، أعطياني الثقة والمساحة والمسؤولية، ودفعاني لأن أجرّب حتى عندما كنت خائفة، وهذا علمني درساً أحمله معي حتى اليوم، وهو أن المدير في بداية مسيرتك قد يغيّر مسارك بالكامل، وقد يرى فيك شيئاً لم ترَه أنت بعد.

واليوم، رغم مرور سنوات، ما زلتُ أعود إليهما عندما أحتاج نصيحة أو دعماً، سواء في البرنامج أو خارجه. وأقول لهما: جزء كبير من رهام التي أنا عليها اليوم بدأ من ثقتكما بي في الوقت الذي لم أكن أثق فيه تماماً بنفسي، وسأظل ممتنّة لذلك دائماً.

هل تذكرين لحظة توليكِ إدارة برنامج القيادات الإعلامية العربية الشابة؟ وكيف كان شعوركِ وقتها؟– كان شعوراً غريباً جداً، لأن هذا هو البرنامج نفسه الذي دخلتُ من خلاله المركز متدرّبة. فجأة، البرنامج الذي كنت في يوم من الأيام أساعد في تفاصيله وأتعلم من الأشخاص الذين يديرونه، أصبحت أنا المسؤولة عنه. كان هناك شعور كبير بالفخر، لكن بصراحة كان هناك خوف أيضاً.

كنت دائماً أسأل نفسي: هل سأستطيع أن أحافظ على قيمة البرنامج؟ وهل سأستطيع أن أضيف إليه؟ ومع كل نسخة أصبحت أشعر أن البرنامج يكبر وأنا أكبر معه. واليوم لم يعد بالنسبة لي مجرد مشروع أديره، بل أشعر أنه جزء من قصتي، وأحاول أن أجعل كل نسخة أفضل لأنني أعرف شخصياً إلى أي مدى يمكن لفرصة واحدة أن تغير مسار إنسان.

كيف تتعاملين مع إدارة فريق فيه أشخاص أكبر منكِ سناً أو أقدم خبرة؟– في البداية كان هذا يُخيفني قليلاً، خصوصاً عندما بدأت أتحمّل مسؤوليات أكبر وأنا ما زلت صغيرة نسبياً في مسيرتي المهنية. لكنني تعلّمت أن إدارة المشروع لا تعني أن أكون الأكثر خبرةً في الغرفة. بالعكس، أحبّ أن يكون حولي أشخاص يعرفون أشياء لا أعرفها، أستمع لهم وأحترم خبرتهم وأتعلم منهم، وفي الوقت نفسه أعرف أن دوري هو أن أحافظ على الصورة الكاملة، وأن أوضح الهدف والأدوار، وأن أتخذ القرار عندما يحتاج المشروع إلى قرار.

بالنسبة لي، القيادة ليست أن تقول للناس ماذا يفعلون، بل أن تجعل خبرات مختلفة تعمل معاً باتجاه هدف واحد.كيف تختارون المشاركين في البرنامج؟ وما الذي يمنح المتقدّم فرصة أكبر؟– نحن لا نبحث فقط عن الشخص الذي يمتلك أفضل سيرة ذاتية أو أكبر عدد من المتابعين، بل ننظر إلى تجربته، وشغفه بالإعلام، وطريقة تفكيره، وما الذي يريد أن يضيفه إلى المشهد الإعلامي العربي. ويهمنا أيضاً التنوّع في الدول والخلفيات والتخصّصات والتجارب. وما يلفتني شخصياً في أي طلب هو أن أشعر أن وراءه شخصاً حقيقياً لديه شيء يريد أن يقوله، وليس مجرد إجابات مثالية كتبها لأنه يعتقد أنها ما نريد سماعه.

أريد أن أشعر بالشخص وراء الطلب: لماذا يريد أن يكون هنا؟ ماذا يريد أن يتعلم؟ ماذا لديه ليضيفه؟ وهل هناك صدق في قصته وطموحه؟

المشاركون في البرنامج يأتون من بيئات إعلامية مختلفة، كيف تبنون لغة مشتركة بينهم دون أن تذوب ميزاتهم الخاصة؟– بالنسبة لي، الاختلاف هو من أجمل الأشياء في البرنامج. تخيّل أن تجمع في مكان واحد شباباً من 18 دولة عربية، كل واحد منهم جاء بقصة ولهجة وتجربة وبيئة مختلفة. لا نريد منهم أن يصبحوا نسخة واحدة، بل نريد أن يتعلموا من اختلافهم، ما نحاول أن نجعله مشتركاً بينهم هو القيم: المسؤولية، والمصداقية، واحترام الاختلاف، وفهم أثر الكلمة، أما قصصهم وهوياتهم وطُرق تعبيرهم، فهي بالضبط ما نريد منهم أن يحافظوا عليه.

ما هو أصعب نقاش دار بين المشاركين، وكيف أدرتموه؟

– مرّت علينا نقاشات حسّاسة جداً، وهذا طبيعي عندما تجمع شباباً من دول وتجارب وظروف مختلفة، خصوصاً عندما نتحدث عن الإعلام والقضايا التي تمسّ مجتمعاتنا بشكل مباشر، لكنني لا أعتقد أن دوري هو أن أجعل الجميع يتفقون.أحياناً يكون أجمل ما يحدث في البرنامج أن يدخل شخصٌ النقاش وهو مقتنع تماماً برأيه، ثم يخرج منه وقد أصبح يفهم لماذا يفكّر الآخر بطريقة مختلفة، حتى لو لم يغيّر رأيه. بالنسبة لي، القدرة على الاختلاف باحترام والاستماع الحقيقي للآخر جزءٌ أساسي من القيادة الإعلامية.

كيف تقيسون نجاح البرنامج؟ وهل لديكِ قصص نجاح تروينها لنا؟– لدينا بالتأكيد مؤشرات وأرقام نقيس بها نجاح كل نسخة، لكن بالنسبة لي شخصياً هناك مقياسٌ آخر أهم بكثير: ماذا حدث للمشاركين بعد البرنامج؟ عندما أرى خريجاً أصبح في موقع مؤثر في مؤسسة إعلامية، أو أسّس مشروعه، أو حصل على فرصة، أو أراه بعد سنوات يعود إلى البرنامج، لكن هذه المرة متحدثاً أو شريكاً ينقل خبرته لغيره، أشعر أن البرنامج حقّق هدفه الحقيقي. وأحياناً يكون الأثر أصغر من ذلك، لكنه بالنسبة لي لا يقل أهمية: شخص أصبح أكثر ثقة بنفسه، أو عرف ماذا يريد، أو تعرّف إلى شخص فتح له باباً لم يكن يعرف أنه موجود.

ماذا عن أجمل الرسائل التي وصلتكِ من المشاركين؟– أكثر الرسائل التي تبقى معي هي التي تصل بعد انتهاء البرنامج بفترة، لأن الجميع يكون سعيداً ومتحمّساً أثناء البرنامج، لكن عندما يعود شخص بعد أشهر أو سنوات ويقول لي: «تتذكري لما صار كذا؟ هذا الشيء غير لي كذا...»، هنا أتأثر فعلاً.

أحياناً، ونحن نعمل خلف الكواليس، نكون غارقين في الجداول والمواصلات والمتحدثين والتغييرات والمشكلات، وننسى أننا بالنسبة لشخص ما نصنع تجربة قد تبقى معه لسنوات، وهذه الرسائل تعيدني دائماً إلى سبب وجودي هنا من الأساس.

في زمن صار فيه كل شخص يملك منصة، ما الذي يجعل شخصاً ما «قائداً إعلامياً» لا مجرّد صانع محتوى اعتيادي؟– بالنسبة لي، القيادة الإعلامية لا تُقاس بعدد المتابعين. قد يكون لديك ملايين المتابعين ولا تكون قائداً إعلامياً، وقد يكون تأثيرك في مجموعة أصغر بكثير لكنك تُحدث فرقاً حقيقياً.

الفرق يكمن في المسؤولية، أن تعرف أن الكلمة التي تقولها لها أثر، وأن تسأل نفسك: لماذا أقول هذا؟ هل هو صحيح؟ ماذا سيضيف؟ وما المسؤولية التي تأتي مع امتلاكي هذه المنصة؟ الوصول إلى الناس أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكن بناء ثقتهم مسؤولية أصعب بكثير.

بين السرعة التي تفرضها المنصات والعمق الذي يحتاجه الطرح الإعلامي الرصين، أين تقفين؟ وماذا تعلّمين المشاركين؟

– لا أعتقد أننا نستطيع أن نقول للشباب: تجاهلوا السرعة، فهذه طبيعة الإعلام اليوم. لكن هناك دائماً فرق بين أن تكون سريعاً وأن تكون متسرّعاً، وهذا ما نحاول أن نرسّخه في البرنامج: افهم المنصة، واستخدم أدواتها، وكن سريعاً إذا احتاج الموقف إلى ذلك، لكن لا تدع رغبتك في أن تكون الأول تنسيك مسؤوليتك في أن تكون دقيقاً. أحياناً تحتاج دقيقة واحدة من المحتوى إلى ساعات من البحث والتفكير، وقد لا يرى المشاهد هذه الساعات، لكنه سيرى نتيجتها.

مع صعود الذكاء الاصطناعي، ما المهارة التي تراهنين على أنها ستبقى إنسانية خالصة، وتحرصون على ترسيخها في المشاركين؟– الإنسانية نفسها، الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب ويبحث ويحلل ويساعدنا في الإنتاج، وسيصبح أقوى بكثير، لكن أن تجلس أمام إنسان وتشعر بقصته، وأن تعرف متى تسأل ومتى تصمت، وأن تدرك أن وراء الخبر شخصاً حقيقياً قد يتأثر بكلماتك، فهذا بالنسبة لي شيء مختلف.

لذلك لا أريد من المشاركين أن يخافوا من الذكاء الاصطناعي، بل أن يتعلموا استخدامه. لكن في الوقت نفسه، أعتقد أنه كلما أصبحت أدواتنا أكثر ذكاء، احتجنا نحن أن نصبح أكثر إنسانية.

أين ترين البرنامج بعد 5 سنوات؟ وأين ترين رهام؟– أتمنى أن يصبح البرنامج أكثر من برنامج تدريبي، وأن يتحول إلى شبكة عربية حقيقية يعود إليها الخريجون، ليعملوا معاً، وليفتحوا الفرص لبعضهم، وأن نرى أثرهم في المؤسسات والمنصات والمشاريع الإعلامية في المنطقة.أما رهام، فلو سألتني في 2018 أين سأكون بعد خمس سنوات، لكان من المستحيل أن أتوقع الطريق الذي أخذتني إليه الحياة. لذلك تعلمت ألا أضع لنفسي صورة ضيقة جداً للمستقبل. لكن ما أعرفه هو أنني أريد أن أكون في مكان أستطيع من خلاله أن أصنع أثراً أكبر، وأن أبني مشاريع أكبر، وأن أفتح فرصاً لشباب آخرين، مثلما فتح أحدهم لي فرصة في يوم من الأيام.

ما هي رسالتكِ للمتردّدين في التقديم على البرنامج؟– قدّموا، حتى لو كنتم تعتقدون أنكم لستم جاهزين.أنا أكبر مثال على أن فرصة واحدة قد تأخذك إلى مكان لم تخطّط له أبداً، دخلت مركز الشباب العربي مهندسة كيميائية تبحث عن فرصة تدريب، ولم أكن أعرف أن هذه الفرصة ستغيّر مساري كله. فلا ترفضوا أنفسكم قبل أن تعطوا الآخرين فرصة ليقولوا لكم نعم. قدّموا كما أنتم، واحكوا قصتكم بصدق. ربما تكون هذه مجرد استمارة بالنسبة لكم اليوم، لكنكم لا تعرفون ما الذي يمكن أن يبدأ منها غداً.

كلمة واحدة تصفين بها رحلتكِ في مركز الشباب العربي منذ 2018؟– تحوّل.. لأن التحوّل لم يكن في مساري المهني فقط، بل في رهام نفسها. منذ أن كنت طفلة تقريباً وأنا أعرف أنني أريد دراسة الهندسة. درستُ الهندسة الكيميائية وأحببتها، وما زلت أحب العلم والهندسة حتى اليوم، وكنت مقتنعةً أن هذا سيكون مستقبلي. واليوم عندما أُخبر أحداً أنني مهندسة كيميائية، أحياناً لا يصدقني، لأن حياتي المهنية أصبحت في مكان مختلف تماماً.

لكن التحوّل الأكبر كان داخلياً، من متدرّبة كانت تخاف أحياناً أن تقول رأيها وتتساءل إن كانت قادرة، إلى من تدير اليوم برنامجاً كانت يوماً متدرّبة فيه، وتتحمّل مسؤولية فريق ومشاركين وتجربة كاملة. لذلك، لو أردت أن أختصر السنوات كلها بكلمة، فهي فعلاً: تحوّل.