بقلم: إريك جيرو تيلم
تأتي زيارة رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون إلى البحرين في 20 أكتوبر الجاري، ولقاؤه بحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، في وقت مهم لبلدينا.
وتجسّد هذه الزيارة المكانة التي تحتلّها البحرين في الشراكة التي تبنيها فرنسا مع شركائها في الخليج. وتندرج ضمن جولة إقليمية زار خلالها الرئيس الفرنسي أيضاً الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر، انطلاقاً من قناعة مشتركة مفادها أن الاستقرار في منطقة تواجه تحديات كبرى يقوم أيضاً على متانة العلاقات بين الشركاء، وقدرتهم على مساندة بعضهم بعضاً، وإرادتهم في البناء معاً.
وفي مواجهة الأزمة التي يشهدها الشرق الأوسط، أظهر رئيس الجمهورية الفرنسية التزامه بالعمل مع قادة المنطقة من أجل استعادة الاستقرار وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
وقد سعى رئيس الدولة الفرنسية إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية التي تربط فرنسا بدول الخليج. وهدفت هذه الزيارة، على وجه الخصوص، إلى تعزيز حضور الشركات الفرنسية في البحرين والاستثمارات البحرينية في فرنسا، فضلًا عن تعزيز تعاوننا في مجالات الطاقة والقضايا العالمية والدفاع والأمن.
وكان الرئيس الفرنسي برفقة وفد ضمّ وزراء فرنسيين بارزين، من بينهم وزيرة القوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى كاترين فوتران، ووزير أوروبا والشؤون الخارجية جان نويل بارو، والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة القوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو، إلى جانب رؤساء شركات وفرق عمله في باريس وفرق العمل في المنامة التي أحظى بشرف قيادتها.
وبمناسبة هذه الزيارة المهمة، تودّ فرنسا أن تؤكد أنها تقف إلى جانب مملكة البحرين كشريك في تنفيذ استراتيجيتها للتنويع الاقتصادي وتنويع مصادر الطاقة، ولا سيما من خلال دعم برنامجها لتطوير إنتاج الكهرباء والحرارة الصناعية باستخدام الطاقة النووية.
وفي هذا الإطار، وُقّعت مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين وزير أوروبا والشؤون الخارجية في الجمهورية الفرنسية، جان نويل بارو، ووزير خارجية مملكة البحرين، د. عبد اللطيف بن راشد الزياني.
للعلاقات الفرنسية البحرينية تاريخ، لكنها تتطلع قبل كل شيء إلى المستقبل.
ففي عام 2027، سنحتفل بمرور خمسة وخمسين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية. وعلى مدى العقود، بنى بلدانا ثقة سياسية تشكّل اليوم ركيزة قيّمة.
وقد شكّل اللقاء الذي جمع جلالة الملك المعظم والرئيس إيمانويل ماكرون في باريس، في 6 فبراير الماضي، تجسيداً جديداً لهذه الثقة. وتأتي زيارة الرئيس ووفده إلى المنامة امتداداً طبيعياً لهذا اللقاء، إذ تعبّر عن إرادتنا المشتركة في جعل هذه الثقة رافعة للمضي قدماً.
ويكتسب هذا الطموح صدى خاصاً في السياق الإقليمي الراهن.
فأمن شركائنا وحرية الملاحة والاستقرار في مجال الطاقة ليست قضايا منفصلة، إذ يتوقف عليها مباشرةً ازدهار المنطقة والتبادلات التي تعتمد عليها اقتصاداتنا.
وتعتزم فرنسا أن تكون شريكاً موثوقاً به وملتزماً على المدى الطويل.
ويشكّل توقيع اتفاق للتعاون في مجال الدفاع مع البحرين، في فبراير الماضي، خطوة مهمة في هذا الصدد. فهو يعزّز قدرتنا على العمل معًا، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون، بما في ذلك في المجال الصناعي.
ويتجلّى هذا التضامن أيضاً في المحافل متعددة الأطراف. فبصفتها عضواً غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة من 2026 إلى 2027، تطرح البحرين في المجلس، إلى جانب فرنسا، شواغل مشتركة.
وقد أتاحت رئاسة كلّ من بلدينا للمجلس، في أبريل بالنسبة للبحرين ثم في سبتمبر بالنسبة لفرنسا، تعميق حوارنا بشأن الأزمات الإقليمية والقضايا الدولية الكبرى.
وفي مضيق هرمز، تشكّل مشاركة البحرين في مشروع البعثة متعددة الجنسيات M3SOH، التي أطلقتها فرنسا، وتقودها بالاشتراك مع المملكة المتحدة، تجسيداً ملموساً لهذه الإرادة في العمل معًا من أجل حرية الملاحة.
وهكذا يكتسب الدعم المتبادل بين الشركاء معناه الكامل، ليس في التصريحات فحسب، بل أيضاً في القدرة على تنسيق جهودنا.
غير أن العلاقات الثنائية لا تقتصر على الأمن. فمتانتها تُقاس أيضاً بقدرة بلدينا على الاستثمار في مستقبلهما الاقتصادي المشترك.
وقد نمت مبادلاتنا التجارية بأكثر من 17 في المائة في عام 2025، فيما كادت الصادرات الفرنسية إلى البحرين تتضاعف. ولكن، بعيدًا عن هذه الأرقام، فإن طبيعة شراكتنا نفسها آخذة في التطور.
ويُعدّ استحواذ شركة «ألبا» على شركة «ألمنيوم دونكيرك»، بقيمة 2.2 مليار دولار، استثماراً استراتيجياً كبيراً في فرنسا. كما تشهد الشراكة بين صندوق الثروة السيادي البحريني «ممتلكات» والصندوق الفرنسي «TRAIL» على هذه الديناميكية.
وتُظهر هذه العمليات أن العلاقة لم تعد تقتصر على شركات تتبادل التجارة، بل تتحوّل إلى علاقة بين فاعلين اقتصاديين يختارون البناء معاً. وأخيراً، لا يمكن لأي علاقة دائمة أن تقوم على الاتفاقات السياسية والاستثمارات وحدها.
فهي تُبنى أيضاً بين المجتمعات، من خلال المعرفة المتبادلة والتعليم والثقافة.
ويجسّد وجود المدرسة الفرنسية في البحرين منذ عام 1976، وتطوّر الأليانس فرانسيز، التي ستفتتح مقرّاً جديداً في عام 2027، والشراكات بين مؤسسات التعليم العالي، عمق هذه الروابط الإنسانية.
وفي منطقة تمرّ بمرحلة حافلة بالتحديات، لا يعدّ تعزيز شراكاتنا خيارًا تمليه الظروف، بل هو ضرورة.
وينبغي أن تتيح لنا زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون الانتقال إلى مرحلة جديدة، عبر توطيد تعاوننا الاستراتيجي، وتوسيع آفاقنا الاقتصادية، وتعميق الروابط التي تجمع شعبينا.
ومع اقتراب الذكرى الخامسة والخمسين لإقامة علاقاتنا الدبلوماسية، تمتلك فرنسا والبحرين رصيداً أساسياً يتمثل في ثقة راسخة يمكننا أن نبني عليها طموحات جديدة.
*سفير الجمهورية الفرنسية لدى مملكة البحرين