في الاقتصادات الحديثة، لم تعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مجرد مكون من مكونات النشاط الاقتصادي، بل أصبحت المحرك الرئيس للابتكار، ومنصة انطلاق الأفكار الواعدة، والرافد الأكبر لخلق فرص العمل وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، تتجه الدول اليوم إلى إعادة تصميم منظوماتها التشريعية والتمويلية والتنظيمية لتمكين هذا القطاع من النمو، باعتباره استثماراً في مستقبل الاقتصاد، وليس مجرد دعم لفئة من المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، أولت مملكة البحرين هذا القطاع الحيوي اهتماماً استثنائياً، تجسد في الرعاية الكريمة والدعم المتواصل من سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، وما حظي به رواد الأعمال البحرينيون من تكريم ملكي خلال العام الجاري، تأكيداً للمكانة التي تحتلها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مسيرة التنمية الوطنية. كما تواصل الحكومة، برئاسة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تنفيذ مبادرات نوعية تهدف إلى بناء منظومة أكثر تكاملاً وقدرة على تمكين رواد الأعمال وتعزيز مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد الوطني.
ويأتي احتفالنا باليوم العالمي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة هذا العام في وقت تشهد فيه المملكة مرحلة جديدة من التحول النوعي في بيئة ريادة الأعمال، انتقل فيها التركيز من تقديم برامج الدعم التقليدية إلى بناء منظومة متكاملة تعالج أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بدءاً من الوصول إلى التمويل، مروراً بتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، ووصولاً إلى احتضان الابتكار وإعداد جيل جديد من رواد الصناعة، بما يعزز جاهزية الاقتصاد الوطني لمتطلبات المستقبل.
وقد كان تعزيز وصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل أحد أبرز أولويات هذه المرحلة، من خلال إطلاق منظومة متكاملة من المبادرات التي تكمل بعضها بعضاً، وتسهم في بناء بيئة تمويلية أكثر كفاءة وعدالة واستدامة. فقد شهدت المملكة إطلاق أول نظام وطني للتصنيف الائتماني للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالشراكة مع شركة بنفت، والذي يمثل تحولاً نوعياً في آلية تقييم المؤسسات من خلال بناء سجل ائتماني يعكس الأداء المالي والتشغيلي للمؤسسة، ويمنح الجهات التمويلية صورة أكثر دقة عن جدارتها الائتمانية، الأمر الذي يسهم في تعزيز الثقة بين المؤسسات والقطاع المصرفي، ويفتح آفاقاً أوسع أمام رواد الأعمال للحصول على التمويل اللازم للنمو والتوسع.
واستكمالاً لهذه المنظومة، جاء إقرار قانون المعاملات المضمونة ليشكل نقلة نوعية في البيئة التشريعية، حيث أتاح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الاستفادة من أصولها المنقولة كضمانات للحصول على التمويل، بما يوسع خيارات التمويل المتاحة أمام رواد الأعمال، ويحد من الاعتماد على الضمانات التقليدية، ويعزز قدرة المؤسسات على الاستثمار والتوسع.
كما تم إطلاق نظام المدفوعات المتعلقة بالتعاملات التجارية للمنشآت التجارية، والذي وفر حلاً عملياً لأحد أبرز التحديات التي كانت تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عند بدء نشاطها، من خلال تسهيل إجراءات فتح الحسابات المصرفية وتمكين المنشآت التجارية من إدارة تعاملاتها المالية بكل يسر وكفاءة، بما يسهم في تسريع انطلاق الأعمال وتعزيز الثقة بين المؤسسات والقطاع المصرفي.
وفي إطار استكمال منظومة التمويل، انطلقت أعمال صندوق تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالشراكة بين بنك البحرين للتنمية، وبنك البحرين الوطني، وبنك البحرين والكويت، وبنك السلام، وبدعم من صندوق العمل (تمكين)، ليشكل نموذجاً وطنياً للشراكة بين القطاعين العام والخاص في توفير حلول تمويلية واستثمارية مبتكرة، تستهدف دعم المؤسسات البحرينية في مختلف مراحل نموها، وتعزيز قدرتها على التوسع واغتنام الفرص الاقتصادية الواعدة.
ولم يقتصر التطوير على منظومة التمويل، بل شمل أيضاً تحديث الأسس التي تُبنى عليها السياسات الحكومية الموجهة لهذا القطاع، حيث تم اعتماد التعريف الوطني المحدث للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بما يتوافق مع أفضل الممارسات والمعايير الاقتصادية الحديثة. ولا يقتصر أثر هذا التحديث على تغيير معايير التصنيف فحسب، بل يمتد إلى ضمان توجيه برامج الدعم والتمويل والحوافز إلى المؤسسات الأكثر استحقاقاً، ورفع كفاءة التخطيط وصنع القرار، وتوفير قاعدة بيانات أكثر دقة تعكس واقع القطاع، بما يسهم في تصميم سياسات وبرامج أكثر فاعلية واستجابة لاحتياجاته.
وانطلاقاً من إيماننا بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأهم، وأن الصناعة تمثل أحد أهم القطاعات الواعدة لرواد الأعمال، أطلقت وزارة الصناعة والتجارة بالشراكة مع مشاريع الأمل أول حاضنة صناعية متخصصة في مدينة سلمان الصناعية، من خلال مشروع «HQ Industrial «، الذي يمتد على مساحة تقارب 57 ألف متر مربع، ليشكل منظومة متكاملة لاحتضان الصناعات الناشئة، وتطوير النماذج الأولية، بما يمكّن المبتكرين ورواد الأعمال من تحويل أفكارهم إلى مشاريع صناعية واعدة ذات قيمة مضافة عالية، ويؤسس لجيل جديد من الصناعيين البحرينيين القادرين على قيادة اقتصاد المستقبل.
إن ما تحقق خلال هذا العام يؤكد أن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لم يعد يقتصر على إطلاق مبادرات منفردة، بل أصبح نهجاً متكاملاً يقوم على تطوير التشريعات، وتعزيز الوصول إلى التمويل، وتحسين بيئة الأعمال، والاستثمار في الابتكار وبناء القدرات، بما يعزز تنافسية المؤسسات البحرينية ويرسخ دورها كشريك رئيسي في تحقيق مستهدفات رؤية البحرين الاقتصادية، وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة وقدرة على المنافسة.
وفي هذه المناسبة، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى جميع رواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإلى شركائنا من القطاعين العام والخاص، على ما يبذلونه من جهود وإسهامات فاعلة في دعم الاقتصاد الوطني. ونؤكد استمرار العمل بروح الشراكة لتوفير المزيد من الممكنات والفرص التي تعزز نمو هذا القطاع الحيوي، وتمكنه من مواصلة الإسهام في صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً لمملكة البحرين.
وزير الصناعة والتجارة - عبدالله بن عادل فخرو