أنس الأغبش

كشف مدير عام مكتب الأمانة الفنية لمكافحة الممارسات الضارة في التجارة الدولية بالأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، سعادة محفوظ بن ناصر الرقادي، أن المكتب أجرى 24 تحقيقاً ومراجعة في إطار تطبيق أدوات المعالجات التجارية، شملت 16 تحقيقاً لمكافحة الإغراق و4 تحقيقات في مجال التدابير الوقائية، إضافة إلى 4 مراجعات لنهاية مدة تدابير قائمة، مؤكداً أن هذه الأدوات أسهمت في حماية الصناعة الخليجية من الممارسات الضارة وإعادة المنافسة إلى ظروفها العادلة.

وأوضح في لقاء مع "الوطن"، على هامش منتدى ومعرض «صُنع في الخليج 2026» في نسخته الأولى، الذي اختُتمت فعالياته مؤخراً برعاية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، أن المعالجات التجارية، والتي تعرف أيضاً بأدوات مكافحة الممارسات الضارة في التجارة الدولية، هي أدوات قانونية تُتيح معالجة الضرر الذي تتعرض له الصناعة الخليجية نتيجة الإغراق أو الدعم، إضافة إلى التدابير الوقائية التي تعالج الزيادة في الواردات وفق الشروط القانونية المقررة.

وشدّد على أن هذه الأدوات لا تستهدف حماية الصناعة الخليجية من المنافسة المشروعة أو إغلاق الأسواق أمام الواردات، وإنما تهدف إلى مواجهة آثار الممارسات الضارة وإعادة المنافسة إلى ظروفها العادلة، وفقاً للقانون الخليجي الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية واتفاقيات منظمة التجارة العالمية.

نتائج ملموسة على الصناعة

وبيّن الرقادي، أن نتائج تطبيق التدابير في عدد من القطاعات أظهرت توسّعاً في الإنتاج ودخول استثمارات جديدة وزيادة في مبيعات بعض المنتجين وحصصهم السوقية، إلى جانب افتتاح مصانع وتوسعة خطوط إنتاج.

وأشار إلى قطاع السيراميك الذي شهد توسعات واستثمارات في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة قطر، إضافة إلى توسعات واستثمارات جديدة في قطاع بطاريات السيارات في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي.

وأكد أن توفير الحماية القانونية للصناعة من الممارسات الضارة وإعادة المنافسة إلى ظروفها العادلة يمنح المنشآت الصناعية فرصة لاستعادة توازنها وتطوير قدراتها الإنتاجية ورفع كفاءتها وتحسين منتجاتها وزيادة تنافسيتها.

وأضاف مدير عام مكتب الأمانة الفنية لمكافحة الممارسات الضارة في التجارة الدولية، أن تعافي الصناعة لا يقتصر أثره على تعزيز حضورها في السوق الخليجية، وإنما يمنحها القدرة على زيادة الاستثمار في التطوير والجودة والابتكار، ومن ثم التوسّع في الأسواق الخارجية وزيادة صادراتها.

سُلطة تحقيق خليجية موحدة

وفيما يتعلق بدور المكتب، أوضح الرقادي أن مكتب الأمانة الفنية، ومقره الأمانة العامة لمجلس التعاون في الرياض، يمثل سُلطة التحقيق الوحيدة والموحدة الممثلة لدول مجلس التعاون في قضايا مكافحة الإغراق والدعم والتدابير التعويضية والتدابير الوقائية.

وبيّن أن التجربة الخليجية تُعدّ من التجارب الاقتصادية الناجحة في مجال العمل الخليجي المشترك، بعدما نجحت دول مجلس التعاون في الانتقال بالقانون الخليجي الموحد من الإطار التشريعي إلى التطبيق العملي الموحد على أرض الواقع.

وأضاف أن الصناعة في دول مجلس التعاون يُنظر إليها، لأغراض التحقيق ووفقاً للضوابط القانونية، باعتبارها صناعة خليجية واحدة، فيما تطبّق التدابير الصادرة على جميع منافذ دول المجلس.

وأشار إلى أن هذه التجربة تتشابه، من حيث وجود سُلطة تحقيق إقليمية موحدة، مع عدد من التجارب المتقدمة ومنها تجربة الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن أهمية المنظومة لا تكمن في وجود القانون وحده، وإنما في نجاح دول المجلس في تفعيله وإنشاء جهاز خليجي متخصص قادر على التعامل مع الممارسات الضارة التي تواجه الصناعة.

أنواع المعالجات التجارية

وحول أنواع المعالجات التجارية، ذكر الرقادي أن مكافحة الإغراق تُطبّق عندما تدخل السلع إلى السوق الخليجية بأسعار مغرقة وينتج عن ذلك ضرر للصناعة الخليجية.

أما التدابير التعويضية فتُطبّق عندما تستفيد الواردات من دعم قابل لاتخاذ تدابير تعويضية بشأنه وفقاً للقواعد المقررة، وينتج عن ذلك ضرر للصناعة الخليجية.

وأضاف أن التدابير الوقائية تختلف في طبيعتها عن الإغراق والدعم، ويمكن تطبيقها عندما تحدث زيادة في الواردات تؤدي، وفق الشروط القانونية، إلى ضرر جسيم أو التهديد به للصناعة الخليجية.

وأكد أن مجرد انخفاض أسعار الواردات أو ارتفاع كمياتها لا يعني تلقائياً فرض تدابير، وإنما تخضع كل حالة لتحقيق قانوني وفني للتأكد من توافر الشروط المطلوبة وإثبات الضرر والعلاقة السببية.

الصناعة والأمن الاقتصادي

وعن المتغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، أشار الرقادي إلى أنها عزّزت أهمية وجود قاعدة صناعية خليجية قوية ومتكاملة وقادرة على التعامل مع المتغيرات الخارجية.

وأوضح أن جائحة كورونا وما صاحبها من تعطل سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة والنقل والإمدادات، أثبتت أن المحافظة على الصناعة لم تعد شأناً صناعياً بحتاً، وإنما أصبحت جزءاً رئيسياً من منظومة الأمن الاقتصادي واستدامة سلاسل الإمداد.

ولفت إلى أن التكامل الصناعي بين دول مجلس التعاون يعزز قدرة المنطقة على مواجهة اضطرابات الإمدادات والاستفادة من القدرات الإنتاجية المتنوعة للدول الأعضاء، بما يرفع مرونة الاقتصادات الخليجية وقدرتها على تلبية جزء أكبر من احتياجاتها خلال الأزمات.

الوظائف والباحثون عن عمل

وأكد الرقادي أن أهمية الصناعة تمتد إلى ما هو أبعد من إنتاج السلع، لارتباطها بالاستثمارات وفرص العمل وسلاسل التوريد ونقل المعرفة والتقنية.

وحذّر من أن استمرار الضرر الواقع على قطاع صناعي دون تفعيل الأدوات القانونية المتاحة قد يؤدي في بعض الحالات إلى تقليص الإنتاج أو إغلاق خطوط إنتاج وخروج منشآت من السوق، وهو ما قد ينعكس على فقدان الوظائف وتسريح العاملين وزيادة أعداد الباحثين عن عمل، إضافة إلى فقدان فرص وظيفية مستقبلية كان يمكن أن يوفرها نمو القطاع الصناعي.

وأشار إلى أن الضرر الذي يلحق بالمنشآت الصناعية لا يقتصر على أصحاب المصانع، وإنما يمتد إلى العاملين والموردين وسلاسل الإمداد والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.

الرؤى الوطنية والتنويع الاقتصادي

وأكد الرقادي أن المحافظة على الصناعة الخليجية تتسق مباشرة مع الرؤى الوطنية وبرامج التنويع الاقتصادي التي تتبناها دول مجلس التعاون، والتي تضع زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية وتنمية الصناعة واستقطاب الاستثمارات وتوفير فرص العمل ضمن أولوياتها.

وقال إن "نجاح سياسات التنويع الاقتصادي لا يقاس فقط بقدرة الدول على استقطاب استثمارات ومصانع جديدة، وإنما أيضاً بقدرتها على المحافظة على الاستثمارات القائمة وتمكينها من النمو والمنافسة في بيئة لا تتعرض فيها لممارسات تجارية ضارة".

وأضاف أن إعادة المنافسة إلى ظروفها العادلة تمنح الصناعة فترة للتعافي وإعادة الاستثمار في تطوير قدراتها ومنتجاتها ورفع كفاءتها وتنافسيتها، بما يمكّنها مستقبلاً من التوسّع ليس فقط في السوق الخليجية، وإنما أيضا في الأسواق الخارجية وزيادة صادراتها.

مراجعة التدابير بعد 5 سنوات

وفيما يتعلق بتدابير مكافحة الإغراق، أوضح الرقادي أنها تفرض في الأصل لمدة 5 سنوات، إلا أن انتهاء هذه المدة لا يعني بالضرورة انتهاء التدبير إذا كانت الظروف التي أدت إلى فرضه لا تزال قائمة.

وأوضح أن اتفاقية مكافحة الإغراق في منظمة التجارة العالمية والقانون الخليجي الموحد يتيحان للصناعة الخليجية، قبل انتهاء مدة التدبير، طلب إجراء مراجعة لنهاية المدة.

وبيّن أن سُلطة التحقيق تقوم في هذه الحالة بمراجعة للتحقق مما إذا كان إنهاء التدبير من شأنه أن يؤدي إلى استمرار أو تكرار الإغراق والضرر، فإذا أثبتت النتائج احتمال استمرار أو تكرار الإغراق والضرر، يمكن استمرار تطبيق التدبير وفق الإجراءات القانونية المقررة.

وشدّد على أن ذلك لا يتمّ بصورة تلقائية أو لمجرد طلب الصناعة، وإنما بعد مراجعة وتحليل البيانات وإتاحة الفرصة للأطراف المعنية للمشاركة في الإجراءات.

القانون الخليجي الموحد

وبشأن الإطار التشريعي، أشار الرقادي إلى أن القانون الخليجي الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية انبثق من الاتفاقية الاقتصادية بين دول مجلس التعاون، ويتسق مع التزامات الدول الأعضاء في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية ذات العلاقة.

وأوضح أن نطاق تطبيق القانون يتعلق بالواردات القادمة من خارج دول مجلس التعاون، ولا يمتد إلى التجارة البينية بين الدول الأعضاء، وبالتالي فإن الممارسات الضارة التي قد تقع في التجارة البينية بين دول المجلس لا تعالج من خلال هذا القانون.

وبيّن أن هذه الآلية تمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي، باعتبار الصناعة في دول المجلس صناعة خليجية واحدة لأغراض التحقيق وفقاً للضوابط القانونية.

الإغراق ممارسة سعرية

وحول مفهوم الإغراق، قال الرقادي إن "الإغراق في جوهره ممارسة سعرية تقوم على مقارنة سعر تصدير المنتج إلى السوق الخليجية بقيمته العادية في بلد التصدير، وفقاً للقواعد والمنهجيات القانونية المعتمدة".

وشدّد على أن إثبات وجود الإغراق وحده لا يكفي لفرض التدابير، إذ يجب كذلك إثبات وقوع ضرر مادي على الصناعة الخليجية ووجود علاقة سببية بين الواردات المغرقة والضرر الواقع عليها.

تقديم الشكاوى والتحقيق

وبشأن استفادة الصناعة من هذه الأدوات، أوضح أن المصنع الخليجي الذي يرى أنه يتعرّض لضرر نتيجة ممارسات ضارة في التجارة الدولية يستطيع تقديم شكواه من خلال الجهة المختصة في دولته أو الغرف، كما يمكنه التواصل مباشرة مع مكتب الأمانة الفنية أو تقديم الشكوى عبر اتحادات المنتجين في دول المجلس.

وأضاف أن المكتب يقدّم الدعم الفني والاستشارات للمصانع لفهم متطلبات تقديم الشكوى وإعداد البيانات والأدلة اللازمة، مؤكداً أن القانون لا يشترط الاستعانة بمكتب محاماة لتقديمها، وأن توافر البيانات والأدلة الكافية يمثل نقطة البداية لأي تحقيق.

وأشار الرقادي، إلى أن المكتب يدرس الشكوى ويُعدّ تقريراً مبدئياً خلال 30 يوم عمل يتضمّن مدى استيفائها للشروط القانونية اللازمة لبدء التحقيق، ثم يعرض التقرير على اللجنة الدائمة التي تتخذ قرارها خلال 15 يوم عمل بشأن قبول الشكوى وبدء التحقيق أو رفضها.

وأوضح أن التحقيق يستغرق في الأصل مدة لا تتجاوز 12 شهراً، ويمكن تمديده وفقاً للأحكام القانونية لتصل المدة الإجمالية إلى 18 شهراً.

وذكر أن التحقيق يشمل إرسال الاستبيانات إلى الأطراف المعنية وتحليل البيانات المالية والاقتصادية والاستماع إلى تعليقات ودفوع المصدرين والصناعة الخليجية والمستوردين والأطراف ذات العلاقة، إلى جانب إجراء زيارات التحقق الميدانية للمصانع الخليجية والشركات المصدرة عند الحاجة.

تجربة "جارمكو"

واستعرض الرقادي تجربة شركة الخليج لدرفلة الألمنيوم "جارمكو" ومقرها البحرين، والتي تقدّمت بشكوى بشأن واردات من الصين، وحصلت على الدعم الفني من المكتب لاستكمال البيانات والمتطلبات اللازمة، قبل قبول الشكوى وبدء التحقيق.

وأوضح أن التحقيق مر بمراحله القانونية والفنية، وأُتيحت خلاله الفرصة للشركات المصدرة والأطراف ذات العلاقة للدفاع عن مصالحها وتقديم بياناتها، وانتهت الإجراءات إلى فرض رسوم مكافحة إغراق لمدة خمس سنوات.

وأشار إلى أن هذه التجربة تعكس دورة عمل منظومة المعالجات التجارية منذ تقديم الشكوى والتحقيق فيها، وحتى اتخاذ التدبير ومراجعته عند نهاية مدته.

صمام أمان لاقتصادات الخليج

وأكد الرقادي أن وجود سُلطة تحقيق خليجية موحدة في الأمانة العامة لمجلس التعاون يمثل أحد المكتسبات المهمة للعمل الاقتصادي الخليجي المشترك، موضحاً أن أهمية هذا الجهاز لا تُقاس بعدد التحقيقات أو الرسوم التي يتم فرضها، وإنما بوجود سُلطة خليجية متخصصة قادرة على التحرّك متى تعرّضت الصناعة الخليجية لممارسات ضارة تهدّد استثماراتها واستمراريتها وقدرتها على المنافسة.

وشدّد على أن "سُلطة التحقيق الخليجية تمثّل صمام أمان لاقتصادات دول مجلس التعاون في مواجهة الممارسات الضارة في التجارة الدولية، لما تؤديه من دور في المحافظة على الصناعة والاستثمارات وفرص العمل، ودعم مستهدفات التنويع الاقتصادي والرؤى الوطنية لدول المجلس، مع المحافظة في الوقت ذاته على انفتاح الأسواق والمنافسة المشروعة".

وأكد أن الهدف ليس منع الواردات أو إغلاق الأسواق، وإنما ضمان ألا تكون الصناعة الخليجية ضحية للممارسات التجارية الضارة، وأن يتنافس المنتج الخليجي والمستورد في سوق تحكمها قواعد عادلة وواضحة.