زيد أيمن - أبوظبي
أكد رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة د. علي راشد النعيمي أن الدرس الأهم من التحولات التي تشهدها المنطقة هو أن دول مجلس التعاون بحاجة إلى سردية موحدة وموقف إعلامي واحد، لا يقوم على ردات الفعل المتفرقة، بل على رؤية مشتركة واضحة، ومؤسسات قادرة على المبادرة لا الانتظار، وغرف تنسيق إعلامي خليجي تعمل في أوقات الأزمات كما تعمل غرف العمليات، وخطاب يخاطب الداخل والخارج بلغته، ويستند إلى الحقيقة والأرقام والقصص الإنسانية من أرض الواقع.
جاء ذلك خلال استقباله، في مجلسه بأبوظبي، الوفد المشارك في النسخة الثامنة من برنامج «القيادات الإعلامية العربية الشابة»، الذي ينظمه مركز الشباب العربي بمشاركة 50 شاباً وشابة من 18 دولة عربية، وذلك بحضور وزير دولة لشؤون الشباب، نائب رئيس مركز الشباب العربي لدولة الإمارات العربية المتحدة د. سلطان بن سيف النيادي، وذلك في لقاء امتزج فيه الحديث عن الإعلام بقراءة عميقة في التحولات التي تشهدها المنطقة.
وتناول النعيمي خلال اللقاء عدداً من المحاور والسياقات، في مقدمتها دور الإعلام في بناء الثقة وتعزيز استقرار المجتمعات، مؤكداً أن الكلمة المسؤولة باتت جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار، وأن الإعلام القادر على كسب ثقة جمهوره هو الأقدر على حماية مجتمعه في أوقات الأزمات. كما تحدث عن الدور المنتظر من الشباب في تقديم محتوى واعٍ ومسؤول، يخدم القيم الإيجابية ويعززها، ويعكس صورة حقيقية عن مجتمعاتهم، بعيداً عن الإثارة والتهويل، في مرحلة أصبحت فيها المنصات الرقمية ساحة رئيسية لتشكيل الوعي وصناعة الرأي العام.
واستعرض في سياق الحديث بدايات نشأة دولة الإمارات، مستذكراً البدايات المتواضعة التي انطلقت منها الدولة، وما تحقق بعدها من إنجازات بفضل رؤية القيادة وإصرار أبنائها، مؤكداً أن رعاية الدولة لمواطنيها كانت ولا تزال أمراً محورياً في مسيرتها التنموية.
ورأى أن التغيير الأفضل في المنطقة سيتحقق من خلال جهود الجيل الحالي، الذي يمتلك من الأدوات والمعرفة ما لم يتح لأجيال سابقة، مشيراً إلى أن تكامل دول الخليج العربي يتحقق بتكامل التعاون مع دول العالم العربي، بما يعزز قوة المنطقة، ويخدم مصالح شعوبها، ولفت إلى أن النجاح له أعداء كثر، وأن خدمة الأهداف العربية تتطلب أحياناً قرارات صعبة، قد تصنع هجوماً لدى البعض، لكنها تبقى قرارات تمليها المسؤولية والحرص على المصلحة العربية العليا.
وتطرق النعيمي إلى الدور الإماراتي في القضية الفلسطينية، متحدثاً عن المفاوضات المطولة التي خاضتها دولة الإمارات في هذا الملف، وعن المساعدات التي تقدمها الدولة على الدوام، إلى جانب حثها الدائم على إقامة دولة فلسطينية، مؤكدا أن الدعم الإماراتي للقضية الفلسطينية غير محدود.
ورداً على سؤال لـ«الوطن» حول عدد من وسائل الإعلام العربية وضعف موقفها خلال العدوان الإيراني الآثم على دول الخليج العربي، التي وجدت نفسها تواجه هذا العدوان وحدها، أقر د. علي راشد النعيمي بأن دول الخليج واجهت فعلاً صمتاً من قبل بعض وسائل الإعلام العربية، مؤكداً أن المعركة في تلك الأيام لم تكن عسكرية فقط، بل كانت معركة على الوعي والرواية، وأن الخلل الأكبر ظهر تحديداً في هذا الميدان.
وأوضح أن تلك المرحلة كشفت أن جزءاً من الإعلام العربي لم يكن على قدر اللحظة، فمنصات اختارت الحياد البارد في وقت كان فيه الحياد خذلانا، وأخرى انشغلت بالتهويل وترويج الشائعات والمقاطع مجهولة المصدر، وثالثة تبنت، بقصد أو بغير قصد، خطاب الطرف المعتدي، فقدمته كأنه وجهة نظر تستحق المساواة مع الضحية، واستضافت من يبرر العدوان تحت لافتة الرأي والرأي الآخر، وكأن الاعتداء على سيادة الدول وأمن شعوبها مسألة تقبل القسمة على اثنين.
وأشار إلى أن الأخطر من ذلك أن البعض راهن علناً وضمناً على انكسار دول الخليج، ورسم سيناريوهات الانهيار والفوضى وهروب الاستثمارات ونزوح المقيمين، وتحدث عن نهاية نموذج التنمية الخليجي كمن يكتب نعياً مبكراً، دون أن يتوقع أن هذه الدول ستمضي في طريقها بثبات، وأن الحياة فيها ستستمر على أفضل ما يكون، أسواق مفتوحة، ومطارات تعمل، ومدارس وجامعات لم تتوقف، ومشاريع تنموية تسير وفق جداولها، ومواطنون ومقيمون يمارسون يومهم بثقة في دولهم وقياداتها وأجهزتها الأمنية والعسكرية.
وأشاد النعيمي بالكفاءة العالية والجاهزية التي أظهرتها القوات المسلحة في التصدي للعدوان، لافتاً إلى أن أحد كبار رجال الأعمال حدثه عن فخره وسعادته بما لمسه من كفاءة وجاهزية عالية، ومؤكداً أن من تصدوا للعدوان كانوا مواطنين من أبناء الدول ذاتها، في دلالة على ما وصلت إليه الكوادر الوطنية من تأهيل واقتدار، ورأى بأن هذا الصمود لم يكن تفصيلاً عابراً، بل كان رسالة سياسية بحد ذاته، مفادها أن هذه الدول أقوى من أن تهزها الصواريخ والمسيّرات، وأمتن من أن تربكها حملات التشكيك، غير أن هذه الرسالة لم تجد من يحملها إلى العالم بالقوة الكافية.
ودعا إلى الاعتراف بشجاعة بأن الإعلام الخليجي ترك فراغاً في السابق، موضحاً أن الفراغ في الإعلام يملؤه الآخرون برواياتهم ومصالحهم وأجنداتهم، فيصبح العالم يسمع عنا أكثر مما يسمع منا، ويتعرف على ما يجري في مدننا عبر عدسات لا تعرفنا ولا تريد لنا الخير. وأضاف أن كثيرين في السابق اكتفوا بالبيانات الرسمية وردات الفعل المتأخرة في مثل هذه الظروف، في حين أن المعركة اليوم تدار على منصات التواصل الاجتماعي بالدقيقة والثانية، وبلغات متعددة، وبأدوات حديثة تعرف كيف تصنع الصورة وتوجه المزاج العام.
وشدد على أن الاستثمار في الكفاءات الإعلامية الشابة وتمكينها من أدوات العصر لم يعد ترفاً، بل ضرورة وطنية، لأن هؤلاء الشباب هم القادرون على الوصول إلى جمهور ربما لا يقرأ الصحف ولا يشاهد النشرات، لكنه يصنع الرأي العام كل يوم.
وحذّر من أن ما واجهته دول الخليج العربي إعلامياً بالأمس قد تواجه ما هو أشد منه غداً، وأن من لا يكتب روايته بيده سيجد غيره يكتبها عنه، داعياً إلى صناعة سردية خليجية خاصة، بأصوات أبناء المنطقة وأقلامهم ومنصاتهم، تكون على مستوى ما تمثله هذه الدول من استقرار وتماسك وإنجاز، لتبقى الحقيقة الخليجية حاضرة قبل أن يسبقها إليها الآخرون.