لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل عبر الهواتف الذكية. فوسائل التواصل التي قُدّمت في بداياتها كساحات للتعبير والتواصل الإنساني، تحولت تدريجياً إلى أدوات نفوذ تستخدمها القوى الدولية في إدارة الصراع، والتأثير في الرأي العام العالمي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي في المجتمعات الأخرى.

يلفت الانتباه ما أضحى يُعلن صراحة في الخطاب السياسي لبعض قادة القوى الإقليمية والدولية حول أهمية توظيف منصات «تيك توك» و«إكس» في المعركة الإعلامية. هذا الاعتراف العلني لا يعكس مجرد تطور في أدوات الاتصال السياسي، بل يكشف عن انتقال الصراع إلى مستوى أعمق، هو مستوى الإدراك والوعي، حيث تصبح الصورة، والمقطع القصير، و (الهاشتاغ) أدوات لا تقل فاعلية عن القوى العسكرية.

لم تعد وسائل التواصل مجرد ناقل للأحداث، بل أصبحت جزءاً من الحدث نفسه. فمن خلالها تُبنى القصص الإخبارية، ويُعاد تعريف الضحية والجلاد، ويُنتج التعاطف أو اللامبالاة، بل ويعاد تقديم تاريخ وثوابت الدول الأخرى وتُدار هذه العملية عبر خوارزميات ذكية تتحكم فيما يظهر وما يُخفى، وفي توقيت النشر، وتقدم في ثوب «الترند» أو «المحتوى الرائج او المتداول»، بما يخدم إدارة هذه القوى للصراع الجيوسياسي دون إطلاق رصاصة واحدة.

أن الهدف غير المباشر لهذه المنصات هو إلهاء مجتمعات العالم الثالث، عبر إغراق الفضاء الرقمي بمحتوى سطحي يركّز على التفاهات ويختلق الأزمات بين النخب الفنية والرياضية أو الشخصيات العامة، بحيث تصبح هذه الأدوات أسلحة في أيديهم للهجوم وتصفية الحساب ولا أحد من الطرفين يخرج رابحاً، ناهيك شيوع الجدل الاستهلاكي، ومظاهر الحياة الخاصة، على حساب القضايا الجوهرية المرتبطة بالعمل والإنتاج، والتنمية، والهوية، والمواطنة، والسيادة.

وفقاً لنظرية إعلامية شهيرة تعرف بنظرية «التدفق على مرحلتين»، فإن هذا المحتوى السلبي سواء التافه والسطحي أو الجدلي أو الصراعات المفتعلة، تتلقاه النخبة أولاً وتستهلكه كمرحلة أولى، ثم ينتقل في المرحلة الثانية من خلالها إلى عامة الجمهور، ونظراً لأن هذه النخبة مجال تقدير ومصداقية عند بقية الجمهور، فإنهم يسهمون في انتشار هذا المحتوى السلبي بين العامة دون أن يدركوا، ويكون نتيجة ذلك خلق حالة من الجدل والإلهاء المستمر والتي تخلق حالة من التبلد المعرفي، وضعف القدرة على التفكير العقلاني، ويحوّل المواطن من فاعل في الشأن العام إلى متلقٍّ سلبي للمحتوى. يساعد على ذلك عوامل الجذب العالية التي تمتلكها هذه التي تجعل الشخص يقضي ساعات في التنقل بين مقاطع الفيديو أو الرسائل دون أن يدري.

كما أضحت المنصات أدوات فعّالة في الحروب النفسية الدولية، من خلال التضليل، ونشر الأخبار المربكة والمزيفة والمختلقة، وتكثيف الرسائل المتناقضة، بما يؤدي إلى إنهاك الجمهور وفقدانه الثقة في أي حقيقة ثابتة. وحين يفقد المجتمع بوصلته المعرفية، يصبح أكثر قابلية للتوجيه، وأقل قدرة على المقاومة.

إن هذه المنصات تمنح المستخدم وهم المشاركة والتأثير عبر الإعجاب والتعليق والمشاركة، فإن هذا التفاعل غالباً ما يبقى حبيس الفضاء الرقمي، دون علاقة بواقعه، وهو ما يخدم في النهاية القوى القادرة على التحكم في قواعد اللعبة الرقمية.

إن المنصات الاجتماعية لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت سلاحاً ناعماً يُستخدم بذكاء لإعادة ترتيب العالم، وإدارة الصراعات، وتوجيه العقول قبل السيطرة على الجغرافيا. والخطر الحقيقي لا يكمن في المنصات ذاتها، بل في غياب الوعي النقدي، وترك العقول دون تحصين معرفي في معركة تُخاض بصمت، لكنها لا تقل تدميراً عن الحرب التقليدية.