عندما يُهدَّد الوطن ويُستهدَف، هنا تظهر المعادن الحقيقية للرجال، وينكشف صدق الانتماء في النفوس. الوطن هوية وذاكرة ومصير مشترك يجمع أبناءه تحت راية واحدة مهما اختلفت بينهم الآراء أو تباينت وجهات النظر. وحين يتعرّض الوطن للخطر، تتلاشى كل الفوارق، وتذوب كل التباينات، ويبقى شيء واحد فقط يتقدّم الصفوف: الولاء للبحرين والدفاع عنها بكل ما نملك.
ما شهدته البحرين، وبالأخص خلال الساعات الأخيرة يؤكد أن العدو بات يتعمّد استهداف المدنيين والأبرياء. الاعتداءات الإيرانية استهدفت مناطق مدنية في الجفير، ثم نفّذت هجوماً آثماً بالطائرات المسيّرة الذي طال منطقة سترة وأسفر عن عشرات الإصابات بين المدنيين، بينهم أطفال ورضيع لم يتجاوز عمره شهرين. كل هذا يكشف بوضوح طبيعة هذا العدوان الإيراني الذي لا يميز بين هدف عسكري أو إنساني، ولا يتردّد في استهداف الآمنين في بيوتهم وأحيائهم السكنية، في عمل عدائي جبان يستهدف أمن البحرين واستقرارها وحياة أهلها.
هذه الاعتداءات، رافقتها محاولات استهداف متكررة لمنشآت حيوية ونفطية في المملكة، تؤكد أن البحرين تواجه تهديداً حقيقياً ومباشراً. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الموقف الرمادي خياراً، ولا يكون الصمت حياداً. الوطنية في أوقات الخطر موقف واضح لا لبس فيه، أن تكون مع وطنك بكل وضوح، أو أن تقف في الجانب الآخر.التصريحات التي أدلى بها معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة حول معنى الضمير الوطني جاءت في وقتها تماماً. فالضمير الوطني التزام أخلاقي وقانوني يحكم سلوك الإنسان عندما يكون وطنه في مواجهة العدوان. ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف أن يتحول بعض الأفراد إلى أدوات في يد المعتدي، سواء عبر تصوير المواقع الحساسة والمنشآت الحيوية أو نشرها أو تداولها بطريقة تسهّل استهدافها.
من يقوم بمثل هذه الأفعال لا يمكن أن يختبئ خلف أي تبرير. من يصور منشآت وطنه أو يهلّل للاعتداءات التي تستهدف بلده أو يتعاطف مع من يقصف أرضه، لا يمارس حرية رأي، بل يضع نفسه في موقع الشريك في العدوان. فالخيانة لا تبدأ دائماً بحمل السلاح، بل قد تبدأ بكلمة، أو صورة، أو موقف يطعن أمن الوطن في ظهره.والأشد خطورة من ذلك أن يظهر بيننا من يتعامل مع هذه الاعتداءات وكأنها حدث عادي، أو أسوأ من ذلك أن يهلّل لها أو يبرّرها أو يتعاطف مع الجهة التي تقف خلفها. حين يرى الإنسان وطنه يُستهدف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ويُصاب أطفاله ونساؤه، ثم يختار أن يقف في صف المعتدي أو يصفّق له، فإنه لا يختلف كثيراً عن أي عميل يعمل ضد بلده. فالوطن الذي يمنح أبناءه الأمن والكرامة لا يستحق أن يُطعن من داخله.
أمام هذه التحديات، يصبح من واجب كل مواطن أن يُدرك أن الدفاع عن الوطن ليس مهمة العسكريين وحدهم، بل مسؤولية جماعية تبدأ بالوعي والانضباط والالتزام بالقانون. الدفاع عن البحرين يعني أن نحمي أمنها بالمعلومة كما نحميه بالموقف، وأن نرفض نشر الشائعات أو تداول ما قد يضرّ بأمنها، وأن نقف صفاً واحداً خلف مؤسسات الدولة.
كما يفرض الواجب الوطني أن يكون موقف المجتمع واضحاً في إدانة كل من يحاول الإساءة للبحرين أو التعاون مع أعدائها. فلا مكان بيننا لمن يفرح بإيذاء وطنه، ولا تسامح مع من يثبت يوماً بعد يوم أنه يقدّم ولاءه للخارج على حساب بلده. فالوطن الذي نعيش في ظلّه لا يمكن أن يكون ساحة لمن يتآمر عليه.
ستبقى البحرين قوية بأبنائها، موحّدة بقيادتها، محصّنة بإيمان شعبها. وكلما اشتدت التحديات، ازداد يقيننا بأن هذا الوطن الذي بناه الآباء وصانه الأبناء لن تهزّه الاعتداءات ولا الحملات العدائية، لأن وراءه شعباً يعرف أن البحرين ليست خياراً بين خيارات، بل قدر وهوية ومصير.