تجمع المصادر المعاصرة التي أرّخت لحكم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة رحمه الله وطيب الله ثراه، على صورة حاكمٍ اتسم بمجموعةٍ من المناقب والصفات الشخصية والأخلاقية التي انعكست بوضوح على أسلوب حكمه وعلاقته بالمجتمع.

وقد وردت هذه الصفات في كتب الرحّالة والمؤرخين الذين عاصروا فترته أو اقتربوا زمنيًا منها، حيث رسمت صورة قائدٍ جمع بين الحزم والعدل والدين والرعاية الاجتماعية.

وقد لخّصت بعض المصادر المعاصرة ملامح شخصيته الحاكمة بعبارة جامعة جاء فيها: «استلم زمام الملك بيد الحزم والتدابير، ونشر رايات العدل والأمان، وشاد بعلمه وحلمه وتقواه ركن الدين، وأظلّ بأغصان فضله الأرامل والمساكين فألقى السعد عصا تسياره بقصره، وخصه بين الأنام بنصره فلا غرو إذا اجتمعت على محبته القلوب وعقدت على طاعته الخناصر إذ لا يسبق له في ميدان الفضائل جواد ولا ينبو له في معامع المضاء والعزيمة سهم ولا نصال وآيات جوده تناقلها الركبان ورايات عدله وحلمه مشورة بين القاصي والدان وكان معروفاً بالبذل والكرم موصوفاً بالحلم وطول الأناة»:

له همة لا منتهى لكبارها

وهمته الصغرى أجل من الدهر

له راحة لو أن معثار جودها

على البر كان البر أندى من البحر

إنّ من أبرز ما يلفت في شخصية صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الكرم والجود؛ إذ تصفه المصادر بأنه «كريمٌ جواد»، وقد تجلّى ذلك منذ توليه الحكم، حين أغدق العطاء على القبائل والوجهاء، لا طلباً للثناء، بل انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الكرم ركيزة من ركائز تثبيت الحكم وتقوية الروابط الاجتماعية، وتؤكد المصادر أنّ كرمه لم يكن مادياً فحسب، بل شمل السماحة في المعاملة، وسَعَة الصدر، والعفو عند المقدرة، حتى ورد: «اجتمعت القلوب على محبته».

وعم الناس بالأفضال جوداً

وفاق الناس إجلالاً وقدراً

فيا من بالمروءة قد تحلى

ويا من بالمكارم كان بدراً

وإلى جانب الكرم، اتسم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بالحزم المقترن بالاتزان؛ فقد كان حازماً في قراراته، إلّا أنّ حزمه لم يكن اندفاعياً أو قاسياً، بل قائماً على تقدير المواقف وتجنّب التسرّع.

وتشير النصوص إلى أنه كان يميل إلى ضبط الأمور بهدوء، ويتفادى الصدام ما أمكن، دون أن يفرّط في هيبة الحكم، وتصفه المصادر بأنّه جمع بين الحزم واللين، فكان قوياً عند الحاجة، رحيماً عند القدرة.

حياتك كلها للناس خير

وأمن شامل براً وبحراً

كما شكّل العدل والإنصاف ركيزةً أساسية في حكم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة؛ إذ تؤكّد المصادر أنه كان حريصاً على تحقيق العدل ونشر الحق وإنصاف المظلوم خلال مدة حكمه الطويلة، وكان حريصاً على سماع الشكاوى وتقويم المظالم، معتمدًا على القضاء الشرعي، ما عزّز ثقة الناس بعدالته.

ملاذاً للأرامل واليتامى

وعوناً للضعيف قرى وخيراً

ومن شمائله الحكمة وحُسن القيادة، فكان قائداً يُحسن قراءة الأحداث وإدارة الرجال، واعتبر القيادة مسؤولية أخلاقية تقوم على المشورة، وضبط التوازن بين القوة والعدل. وقد مكّنته هذه الحكمة من قيادة البلاد في فترات حسّاسة، محافظًا على الاستقرار والسلم الاجتماعي.

ومن صفاته البارزة التواضع والقرب من المجتمع فقد فضّل أن يكون شيخاً قريباً من مجتمعه، حاضراً في شؤونه، وهو ما رسّخ صورته حاكماً رشيداً.

وبذلك تتجلّى الشمائل والمناقب الأولى لصاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في صورة قائدٍ عربيٍّ أصيل، اجتمعت فيه مكارم الأخلاق مع حسن السياسة، فكان كرمه وسماحته سبيلاً لاجتماع القلوب، وكان حزمه المتّزن ضماناً لهيبة الحكم، وعدله ركيزةً للاستقرار، وتواضعه جسراً دائماً بين الحاكم والمجتمع.

ولم تكن هذه الصفات مظاهر فردية معزولة، بل منهجاً متكاملاً في إدارة شؤون البلاد، أسهم في ترسيخ الأمن وبناء الثقة، ومهّد لمرحلةٍ حضاريةٍ وقياديةٍ امتد أثرها في تاريخ البحرين. وتأتي بقية مناقبه القيادية والإنسانية، وما ارتبط بها من مواقف وحوادث مفصلية، لتكتمل في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

* باحث في التاريخ وأكاديمي