قد لا تؤدي المظاهرات في المدن الإيرانية هذه الأيام، والتي اندلعت منذ 28 ديسمبر الفائت، إلى تغيير في النظام الحاكم، لكنها تُظهر حتماً مدى السخط الشعبي المستمر على الحكومات المتعاقبة.

وقد أصبحت الاحتجاجات سمةً من سمات العقد الأخير في المشهد الإيراني.

ففي 28 ديسمبر 2017، وفي التاريخ نفسه للمظاهرات الحالية، خرج الإيرانيون في مدينة مشهد اعتراضاً على الفساد المستشري في السلطة، وعلى الصعوبات الاقتصادية التي يواجهونها، خاصة ارتفاع الأسعار.

وتكرر السيناريو ما بين عامي 2019 و2020 بسبب الوضع الاقتصادي أيضاً، وتضخم الأسعار بنسبة تراوحت ما بين 50% إلى 200%، وقد تحوّل الضجر من الأوضاع المعيشية إلى انتقادات مباشرة للمرشد خامنئي وللرئيس روحاني آنذاك.

وفي عام 2022، وفي واحدة من أبرز قضايا العنف ضد المرأة في إيران، لجأ الإيرانيون إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم من مقتل الشابة ذات الـ22 ربيعاً، مهسا أميني، التي أدّى الضرب المبرح الذي تعرّضت له على يد «شرطة الأخلاق» الإيرانية، بسبب عدم ارتدائها الحجاب بطريقة تُخفي شعرها، إلى وفاتها.

وقد بدأت الاحتجاجات من مسقط رأسها في مدينة سقز، وسرعان ما امتدت بعد ذلك إلى مدن إيرانية أخرى والعاصمة طهران.

هذه السلسلة من الاحتجاجات، التي دأب النظام الإيراني على قمعها باستخدام العنف المفرط، دليلٌ واضح على فقدان الإيرانيين الثقة في المؤسسات الرسمية، وتفضيلهم الخروج إلى الشوارع كل عامين أو ثلاثة للتعبير عن رفضهم للنظام بشكل علني وصريح.

وقد انخفضت المشاركة في الانتخابات الرئاسية الإيرانية من 73% في عام 2017 إلى 40% فقط في عام 2024، وهو ما يبيّن أن الإيرانيين لم يعودوا يكترثون بمن في السلطة، سواء كان متشدداً أو إصلاحياً، فالنتيجة بالنسبة لهم واحدة.

ويرى الإيرانيون أن الحكومات المتعاقبة — وليس العقوبات المفروضة على النظام — هي السبب في التعاسة التي يعيشونها، نظراً لعدم قدرتها على إدارة البلاد بما يضمن لهم أبسط الخدمات، خاصة مع استمرار انقطاع الكهرباء والنقص الحاد في المياه، الأمر الذي يجعل معيشتهم في أسوأ الأحوال.

وفي ظل غياب أي إصلاح جذري للأوضاع الاقتصادية في إيران، وهو أمر مستبعد إلى حد كبير بسبب استمرار العقوبات الاقتصادية الخانقة، تصبح الاحتجاجات الشعبية متوقعة دائماً، وقد تزداد حدتها مرة بعد أخرى.

فالإنسان الإيراني يلقى الأمرّين؛ فلا حالة اقتصادية تجعله يعيش مثل الشعوب الأخرى، ولا مساحة من الحرية تجعله يتنفس.