حين يرتكب الإنسان مخالفة أو جريمة في موقع مسؤولية، مستنداً إلى منصبٍ ناله بوسائل غير مشروعة، فإنه لا يرى في ذلك الموقع امتيازاً، بل درعاً واقياً.
فزوال المنصب في نظره لا يعني نهاية مرحلة، بل بداية انكشافٍ لما حاول طمسه من تجاوزات وسلوكيات.
لهذا يعيش من خان ضميره، وتعدّى على الحقوق، في قلقٍ دائم. يطارده الخوف من لحظة السقوط، وتلاحقه هواجس الانكشاف، فيختار -بدل المراجعة- طريق التمادي، معتقداً أن تراكم الأخطاء قد يحميه من الحساب.. وهو وهم.
ويعرض القرآن الكريم هذا المعنى بجلاء في قصة فرعون، التي تكررت في مواضع عديدة، لتؤكد أن الطغيان مهما طال، فإن نهايته معلومة. فالعاقبة لا تكون للظلم، ولا تكون النهاية سعيدة لمن بنى نفوذه على الاعتداء على حقوق الآخرين.
وقد بعث الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون رغم علمه سبحانه بمآله، فقال: «اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى»، في إقامةٍ للحجة، وفتحٍ لباب التوبة، قبل لحظة الحساب.
وهكذا هو الحال في واقع الناس؛ تُقدَّم النصيحة، ويُرفع التحذير، غير أن بعضهم يختار الإصرار والتمادي، ويستبدل المراجعة بمزيد من التغوّل، غير مدرك أن كل فعل محفوظ، وكل حقٍ لا يسقط بالتقادم.
ومن أشد الآيات وقعاً على النفس قوله تعالى في سورة الكهف: «وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ... وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا»، فلا صغيرة تُنسى، ولا كبيرة تُمحى، والعدل الإلهي لا يُجامل أحداً.
قد يظن البعض أن الاعتراف المتأخر أو التذرع بسعة المغفرة كافٍ لمحو المظالم، غير أن الآية تُغلق هذا الوهم بوضوح: ولا يظلم ربك أحداً، فحقوق العباد محفوظة، وستُسترد كاملة بإذن الله.
ومهما بلغ التظاهر بالبراءة أو كما يقال بالدبلوماسية، أو الاستعانة بالنفوذ والمال، فإن الحقائق لا تبقى مستترة إلى الأبد. يقول تعالى في سورة المنافقون: «اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ».
فاليوم الذي لا تنفع فيه سلطة، ولا يشفع فيه منصب، قادم لا محالة؛ يوم تسقط الأقنعة وتُستعاد الحقوق، وتنكشف الأفعال، ويسقط وهم النجاة من العدالة.