جميل أن نرى أطفالنا أكثر إدراكاً لما يدور حولهم، فالحياة اليوم تتطلب وعياً مبكراً وسرعة في الفهم، غير أن هذا الإدراك لا ينبغي أن يكون على حساب براءتهم.

فثمة فرق شاسع بين تنمية الوعي وهدم الطفولة، وبين مواكبة العصر وترك الأطفال فريسة لعالم رقمي لا يراعي أعمارهم ولا هشاشتهم النفسية.

في السابق، كانت الأسرة، والمعارف، والجيران، والمدرسة، هي العوامل الأساسية في تشكيل وعي النشء وبناء شخصياتهم.

أما اليوم، فقد أصبحت “السوشيال ميديا” اللاعب الأبرز، بل المسيطر، في مشهد يبعث على القلق. أطفال في عمر العامين يتابعون “يوتيوب” بشكل يومي، ويدمنون المقاطع السريعة، ثم لا يلبث أن يُنشأ لهم حساب على “إنستغرام”، وبعده “تيك توك”، ليبدأ الانعزال التدريجي عن العالم الحقيقي، وتتشكل أفكارهم وقناعاتهم وفق ما يُعرض أمامهم من محتوى، كثير منه لا يناسب أعمارهم ولا مداركهم.

وفي خضم هذا الانفتاح غير المنضبط على المنصات الرقمية، لم يعد الخطر افتراضياً أو بعيداً، بل واقعاً ملموساً.

وكم من قضية تابعناها لطفلة أو طفل تعرّضوا للاستغلال عبر منصات التواصل الاجتماعي، على أيدي بالغين، وأحياناً من أقرانهم في العمر ذاته؟ قضايا كشفت حجم الهشاشة التي يعيشها الأطفال في الفضاء الرقمي، وأكدت أن تركهم دون رقابة أو حماية كافية يجعلهم عرضة لانتهاك الخصوصية، والاستغلال، والتلاعب النفسي، في عالم لا يعترف بالبراءة، ولا يضع حدوداً أخلاقية للعمر.

وتعزز هذه المخاوف الأرقام الرسمية التي أعلنتها النيابة العامة، إذ أظهرت إحصائياتها ارتفاع عدد قضايا السوشيال ميديا إلى 1044 قضية خلال عام 2025، بعد أن كانت 807 قضايا في العام السابق، في مؤشر واضح على تصاعد الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي، وتنامي حجم التحديات التي يفرضها على المجتمع، ولا سيما على فئة الأطفال والناشئة بوصفهم الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للاستغلال.

من هنا، تبرز أهمية الخطوة التشريعية التي ناقشها مجلس الشورى في جلسته الماضية، حين وافق على توصية لجنة شؤون المرأة والطفل بشأن الاقتراح بقانون بتعديل بعض أحكام قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 37 لسنة 2012، وإحالته إلى الحكومة لوضعه في صيغة مشروع قانون. خطوة تعكس وعياً متزايداً بحجم المخاطر الرقمية، ومحاولة جادة لإعادة الاعتبار لحماية الطفل في زمن الشاشات المفتوحة.

الاقتراح بقانون، مع استثناء المنصات التعليمية، ينص على حظر صريح لإنشاء حسابات رقمية للأطفال دون سن الخامسة عشرة، باعتبار هذه الفئة الأكثر تأثراً بالمحتوى الرقمي، والأقل قدرة على التمييز بين مخاطره، مع تنظيم استخدام المنصات الرقمية للفئة العمرية بين 15 و18 عاماً.

وهو ما أكدت عليه مقرّر لجنة شؤون المرأة والطفل د. جميلة السلمان، مشددة على أن السلامة الرقمية باتت امتداداً لمفهوم الحماية القانونية الشاملة للطفل، وضرورة تشريعية تفرضها طبيعة العصر الرقمي وما أفرزه من أنماط جديدة من الاستغلال وانتهاك الخصوصية والتعرّض للمحتوى الضار.

ويحمل هذا التوجه التشريعي بعداً وقائياً واستباقياً، من خلال إدراج تنظيم السلامة الرقمية ضمن القانون النافذ، بما يحقق وحدة المرجعية التشريعية لمنظومة حماية الطفل، ويحول دون تجزئة الأحكام بين قوانين متفرقة.

كما يراعي التوازن بين حماية الطفل وضمان حقه في التعليم، عبر استثناء المنصات الرقمية المستخدمة لأغراض تعليمية، والتي يتم تحديدها بقرار من وزير التربية والتعليم، إدراكاً لأهمية التعليم الإلكتروني في تطوير العملية التعليمية.

إن حماية الطفل اليوم لم تعد تقتصر على الغذاء والتعليم والصحة، بل باتت تشمل حمايته من محتوى قد يسرق براءته، ويشوّه وعيه، ويعجّل بنضجه قبل أوانه.

فالطفولة ليست مرحلة عابرة، بل أساس المجتمع ومستقبله، وأي تفريط في حمايتها هو تفريط في الغد قبل اليوم.