في عالم افتراضي كان الهدف منه هو التواصل وزيادة المعرفة، تحول اليوم ذلك العالم إلى ساحات صراع وخلافات مفتوحة، تحولت الأزمات إلى تلاسنات وتحول الوعي إلى نقيضه، وغابت المسؤولية وازدادت الغوغائية.

لابد أن ندرك الفرق بين التفاعل الواعي وبين الانجرار العاطفي، ولابد من استغلال حرية التعبير لتكون عامل بناء لا معول هدم، لنسائم محبة لا لوقود للصراع، فهناك من يقف من بعيد، ويتربص لكل ما ينشر ويتابع جميع التعلقيات ليشعل فتيل الصراع ويستقطب الكراهية، فهناك آلاف بل أكثر من الحسابات الوهمية والخوارزميات التي تعمل على الانقسام بل وتضخيمه، وهناك من يعمل على صناعات الروايات الخيالية وتزييف الوعي ودق إسفين البغضاء والكره عبر التلاعب بالصور والعناوين، واجتزاء المقاطع وإخراجها من مضمونها، وينشرها في توقيتات معينة لأهداف سوداوية قاتمة

للأسف أغلبنا عاطفيون يسبق شعورنا تحكيم عقولنا، غرائزنا تستفز ورأينا العام متغيراً في كل ثانية، تظهر علينا آثار الخوف والغضب والتعاطف في كل لحظة نبحر بها في ذاك العالم الوهمي والافتراضي.

هناك أسئلة عديدة ومهمة يجب أن نسأل أنفسنا قبل أن ننجر عاطفياً مع كل ما ينشر في العالم الموازي، متى أعلق؟ ومتى أصمت؟، كيف يكون صمتي صمتاً واعياً وأخلاقياً؟، وهل تعليقي له تأثير؟، وإن كان، هل سيكون إيجابياً أم العكس؟، هل سيؤثر أم أنا من سيتأثر؟، وقبل كل ذلك هل المعلومة أو الحساب الناشر موثوق أم لا؟، هل سأبرز شخصيتي الواقعية عبر التعليق أو إعادة النشر أم أنا أداة من حيث لا أشعر في أيادي مروجي الإشاعات ومثيري الفتن ومحبي الصراعات؟؟

إن أوجدنا هذا الوعي بداخلنا فنحن بالفعل سنحول منصات التواصل إلى ساحات وعي أخلاقية، بل ستكون محاربين وحراس وخطوط دفاع مجتمعية محافظين على السلم المجتمعي والنسيج الوطني، فالكلمة مسؤولية في زمن الفوضى الرقمية.