في شوارع لندن في القرن التاسع عشر، كان المشهد غريباً على المارة: رجل يسير بخطوات ثابتة أمام مركبة آلية جديدة، يحمل راية حمراء نهاراً أو فانوساً ليلاً، ليحذّر الناس والخيول من قدومها. لم يكن ذلك الرجل ضد التقنية، ولم يكن معها، بل كان يؤدي وظيفة فرضها القانون البريطاني المعروف بقانون العلم الأحمر لعام 1865.

هذا القانون ألزم أن تسبق كل مركبة آلية شخصاً يمشي أمامها، وقيّد سرعتها بأربعة أميال في الساعة داخل المدن واثنين في الطرق الريفية. كان ذلك انعكاساً لمخاوف المجتمع من الجديد، قبل أن يُلغى القانون عام 1896، في لحظة فارقة مثّلت بداية الانطلاقة الحقيقية لعصر السيارات، واحتفل السائقون حينها بمسيرة التحرر الشهيرة في لندن.

اليوم، ومع بروز الذكاء الاصطناعي، يتكرّر المشهد بصورة مختلفة. هناك من يكتب في الصحافة، ومن يُطلق التحذيرات، ومن يصف التقنية بأنها فقاعة ستنفجر عاجلاً أم آجلاً. لكن الحقيقة أن الفقاعة ليست في التقنية نفسها، بل في الادعاءات المبالغ فيها التي يطلقها البعض، حين يزعمون أنهم حققوا سبقاً غير مسبوق، ثم يتضح لاحقاً أن ما قالوه لم يكن سوى وهم تسويقي.

الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة، بل هو امتداد طبيعي لمسار طويل من التطور التكنولوجي، يشبه في جوهره ظهور السيارة التي اخترعها كارل بنز في ألمانيا عام 1885، أو الكهرباء والإنترنت لاحقاً. كل هذه التحولات واجهت في بداياتها أصواتاً مترددة، ناقدة، أو محذرة، لكنها سرعان ما أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

الصحافة والنقاد، مثل الرجل الذي كان يسير أمام السيارة في شوارع لندن، يقومون بدور اجتماعي مهم. فهم يثيرون الانتباه، يفتحون النقاش، ويجعلون المجتمع أكثر وعياً بما يجري، لكن ذلك لا يعني أن التقنية نفسها موضع شك، بل على العكس، فإن وجود النقد والتحذير هو جزء من عملية التكيّف الطبيعي مع أي تحول جديد.

إن إلغاء قانون العلم الأحمر في بريطانيا لم يكن خياراً، بل كان حتمية تاريخية، لأنه مثّل انتقال المجتمع من مرحلة الخوف والاحتراز إلى مرحلة القبول والتبني الكامل للتقنية الجديدة.

وبالمثل، فإن عالمنا اليوم يقف أمام لحظة مشابهة مع الذكاء الاصطناعي: من مرحلة التحذيرات والجدل، إلى مرحلة التبني الشامل في كل ميادين الحياة، من الصحة والتعليم إلى الصناعة والإعلام.

وما بين الحماس المفرط والخوف المبالغ فيه، تظل الحقيقة أن هذه التقنية تمثل تحولاً تاريخياً لا يقل أهمية عن اختراع السيارة قبل أكثر من قرن، وأن تقبّلها ليس خياراً بل ضرورة، تماماً كما كان إلغاء قانون العلم الأحمر ضرورة لا مفر منها.