متى يأتي اليوم الذي يكون فيه 20% من البحرينيين فقط هم من يحتاجون للدعم الحكومي؟
أي متى يأتي اليوم الذي يكون فيه 80% من البحرينيين دخلهم يغنيهم عن انتظار الدعم الحكومي؟
متى يأتي اليوم الذي يكون فيه 60% من البحرينيين قادرون على شراء مسكنهم وتعليم أنبائهم ومعالجة صحتهم بنفسهم دونما حاجة لمساكن ومدارس ومستشفيات حكومية، حتى يخف العبء على الحكومة التي يجب أن تتفرغ للـ20% كي تحسّن خدماتها لهم؟
أما الـ20% الباقية فهي للأثرياء فهم خارج حسبة الدعم والتساؤل حول القدرة الشرائية.
هذا هو ما ننتظره من السياسة الاقتصادية في الدولة أن يكون لديها برنامج حكومي إنما بمؤشرات قياس واضحة، لا مؤشرات تقيس المتوسط الحسابي من الأجور، مؤشرات تقيس نسبة الذين يستلمون الدعم الآن؟ وكم كانت نسبتهم قبل عشر سنوات؟ كي نعرف نتائج سياستنا الاقتصادية.
كم كانت نسبة الشريحة التي لم تعتمد على الدعم وقادرة على أن تعيش مستوى مقبولاً قادرة على دفع التزاماتها المالية، لكنها ليست ثرية، إنما أهم ما يميزها أنها لا تشكّل عبئاً على ميزانية الدولة في توفير خدماتها، فدخلها يكفيها، وكم أصبحت اليوم؟
هل الزيادة في مبلغ الدعوم ناتج عن الزيادة السكانية فقط؟ أم ناتج عن اتساع شريحة الطبقة المحدودة الدخل وتقلص الطبقة المتوسطة.
أين هي تلك الشريحة التي اتسعت في بداية المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم ذلك النمو الذي خلق وظائف ذات رواتب مجدية في القطاعين الحكومي والخاص، فوجدت تلك الطبقة من الأطباء والمهندسين وأصحاب المشاريع والعاملين في السوق العقاري متنفساً نقلها نقلة نوعية فاتسعت واستغنت عن الدعم وخففت العبء على ميزانية الدولة.
ثم ونتيجةً لعدة عوامل خارجة عن إرادة الحكومة كـ«كورونا» وأحداث 2011 وهبوط أسعار النفط، تباطأ النمو واستدانت الحكومة وزاد العجز، فما عادت الدولة قادرة أن تضخ في السوق ما ينعشه من جديد بذات القدر الذي كانت عليه نسبة النمو السابقة.
ثم جاء دورنا نحن في زيادة تعقيدات السوق بدلاً من تقويمه ومعالجته ففتحناها على «البحري» للقوى العاملة الأجنبية دون ضوابط، أضف لها تلك التعقيدات التشريعية التي تحد من مرونة عمل البحريني وتفتح للأجنبي الأبواب على مصراعيها في تنافس غير عادل.
لذلك، ما نحتاجه الآن من رؤيتنا الاقتصادية للسنوات الخمس القادمة ألا ينحصر جهدنا في سد العجز ودفع الدين فقط بالتحكم في المصاريف المتكررة فحسب، ما نحتاجه هو التفكير في كيفية انتشال هذه الشريحة بعد أن عاد الكثير منها إلى شريحة ذوي الدخل المحدود، ومساعدتها على الصعود مرة أخرى إلى شريحة لا تحتاج الدعم للتخفيف عن الميزانية.
لنبحث بصوت عالٍ مع الحكومة وكل من لديه فكرة من الخبراء، إن كانت هناك معوقات تشريعية مثلاً تقف حائلاً بينها وبين زيادة دخل الأسرة البحرينية؟ لنرَ إن كانت بعض السياسات التي اتخذناها لزيادة موارد الميزانية لا تخدم زيادة دخل الأسر؟
قد لا نحتاج إلى «كاش» من الحكومة لمعالجة هذه الأزمة، حتى نتحجج بأننا لا نملك تلك الإمكانيات، قد يكون الأمر عوائق تحول وقرارات وسياسيات ممكن أن تغير الحال.
نريد إعادة توجيه البوصلة، أي مثلما نضع برامج ومشاريع لسد العجز في الميزانية ونقطة التوازن، نحتاج برامج موجّهة إلى هذه الشريحة لزيادة حجمها وأعداد أفراها ودخلها ونضع لها برامج بمؤشرات واضحة تبين انتقالها إلى وضعية الاستقلال المالي عن الدعم الحكومي، فذلك نجاح اقتصادي كبير لا يقل أهمية عن الوصول إلى نقطة التوازن المالي.
لا يهمنا أن نكون الأول في مراكز عالمية في الانفتاح أو نرى أرقاماً ومراكز أولى في النمو الاقتصادي، أو أي فوز من أي نوع آخر لا يلمس جيب المواطن ولا يعنيه هذا الفوز بشيء، يهمنا أن نجعل البحريني لا يحتاج إلى دعم حكومي لأن دخله يغنيه، هذا هو المؤشر الذي ننتظره.
يقول لي واحد من هذه الطبقة، منذ أن أعلنت الحكومة عن دعم اللحوم لكل بحريني لم أسجل اسمي، ولم يكن اسمي في يوم ما ضمن قائمة مستحقي الدعم بأي شكل من الأشكال، لست ثرياً ولكنني مرتاح قادر أن أؤدي التزاماتي الأساسية بدخلي ودخل زوجتي، لكنني أفكر جدياً الآن بتسجيل اسمي، فالمبلغ الذي كان يتبقى لي بعد سداد جميع التزاماتي أوفر منه لوقت الحاجة بدأ يتقلص بعد ارتفاع الفواتير والرسوم ويختفي، ودخلي ثابت لا يتغير، أصبحت من الذين يكملون بقية الشهر (بالعافية)، لذلك عدت مرة أخرى إلى من يحتاج هذا الدعم بعد أن استغنيت عنه، لأن الضغط أصبح أكثر من القدرة على التحمّل. وهذا الذي نُحذّر منه.