جزء أصيل من حياتنا، هي تلك المبادرات الحيّة النشطة التي ينبغي أن تكون النفَسَ المستمرَّ الذي نتنفسه في كل لحظة. إنها مبادرات الخير التي تساهم في إسعاد الكون كله، وإسعاد النفوس الحيرانة، وتفريج الهموم، وتنفيس الكروب، والمشي في حاجة الآخرين، ورسم الابتسامة على الوجوه الحزينة. عندما نعيش من أجل تحقيق ثوابت الغاية التي خُلقنا من أجلها، فإنما نعيش لمبدأٍ سامٍ ننطلق على أثره في الحياة، فنصبغ حياتنا بصبغة العطاء المستمر النابض بالحياة، وحبّ ما عند الله تعالى.
ومنها تبرز روح المبادرات التي نحسن فيها صنيع أعمالنا، حتى نلقى الله تعالى وهو راضٍ عنا، وقد تركنا في مساحات الحياة أجمل الأثر الإيجابي.
كثير من العاملين من أصحاب الخبرات في مختلف ميادين الأعمال، قد لا يفقهون بعدُ معاني «الإحسان في أعمالهم»، بمعنى أن يُحسنوا توظيف مهاراتهم، ويستثمروا كل لحظات أوقاتهم في الإنجاز؛ لأنهم محاسبون أمام الله تعالى أولاً قبل البشر. فهي عملية حسّاسة جداً، إن علمنا أن الدقيقة التي يقضيها الموظف في عمله يتقاضى من ورائها أجراً، فما بالك إن كان هذا الأجر بلا صنيعٍ مؤثر ولا فائدة مرجوة؟ هنا تكمن الخطورة، بأن يكون جني المال مقابل أوقات مهدورة بلا إنجازٍ حقيقي يُذكر. كل واحدٍ في محيط عمله إنما هو مسؤول، وقائد يستشعر قيمة المهام الموكلة إليه. عندما تدخل بعض الوزارات، أو حتى بعض المصانع التي يعمل فيها العاملون في وظائف معتمدة على المهارات والإنجاز في الوقت المحدد، ترى خلية نحلٍ فاعلة، لا مجال فيها لفضفضة العمل الفارغة، أو هدر الأوقات في القيل والقال، وذكر معايب العمل، أو ذكر مساوئ بعض الموظفين؛ فكلها تصرفات منبوذة غير صحية! المُحسن إلى حياته هو من أعطى كل دقيقةٍ من وقته في عمله حقها في الإنجاز، والقيام بالمبادرات الإيجابية، وتقديم المقترحات، والسعي إلى أن يكون شامةً في محيط عمله، بما يقوم به من أعمالٍ مضافة إلى أعماله الأساسية. يجب أن نؤصّل دائماً مبادئ النية الخالصة لله تعالى وحده، والصدق معه، وأننا مؤتمنون على أوقاتنا التي نعمل فيها في أماكن مملوكة للغير، وسنُحاسَب عليها دنيا وآخرة.
لستَ ملزماً أن تبرر للغير مبادراتك في الخير، وسعيك لأن تكون في المراتب الأولى للعمل والعطاء؛ فما دام سعيك أن تكون «أعمالك» كلها لله تعالى وحده، وأن تترك أثراً في مساحاتٍ جميلة أثيرة إلى قلبك، فإنما أنت تسير بلا شك في الطريق الصحيح. وستواجه أصنافاً من مرضى النفوس الذين لا يحبون أن يتغيروا، أو يتقدموا قيد أنملة في طريق النجاح؛ فهم، على الدوام، ينتقدون كل شيء، ويقللون من قيمة نجاحاتك بمبررات واهية، بل وينثرون سموم السلبية المقيتة القاتلة، التي تقتل عطاءات الآخرين، وتقلل من طاقتهم النفسية، ودائماً ما تراهم لا يتماشون مع التغيير، ولا مع توحيد السمت العام لهوية العمل. نحن بحاجةٍ ماسّة لأن نحافظ على هوية نجاحنا، وعلى سمتنا وأخلاقنا، وأن نكون دائماً مبادرين في الخير، نأخذ الأمور على محمل الجد، ونحسن الظن في المواقف.
في أيامٍ سريعة لا تمهلك لتعمل الكثير، عليك دائماً أن تضع نصب عينيك أنك محاسب على وقتك، وعليك أن تهتم بمبدأ «إنجاز اللحظة» وإعمارها بالمبادرات الخيرية التي تقدم من خلالها رسائل حياتية مؤثرة في حياة الآخرين.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه». وقال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
إنه الاغتنام الحقيقي، بمعنى المبادرة الآنية التي تظفر من خلالها بأثرٍ بائن في المجال الذي قدمته. ويقول عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً مُنسياً، أو غنىً مُطغياً، أو مرضاً مُفسداً، أو هرماً مُفنِّداً، أو موتاً مُجهزاً، أو الدجال، فشرُّ غائبٍ يُنتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمرّ». هنا التوجيه النبوي بالمبادرة السريعة إلى عمل الخير، حتى لا تعتري حياة المرء لحظات من العجز لتلك الأسباب الجوهرية، فحينها قد لا يستطيع الحراك كما كان من قبل.
المبادرة الإيمانية هي أجمل مبادرة ينبغي أن تتعاهدها هذه الأيام، في شهر شعبان، شهر التدريب لشهر رمضان. مبادرة تجدد فيها إيمانك، وتجدد فيها أسلوب عبادتك، وأسلوب عطاءات الحياة الخيّرة التي تبتغي من ورائها رضا المولى الكريم. مبادرة تحيي فيها موات العبادات المهجورة، وتفزع فيها إلى مولاك ابتغاء مرضاته. لنسارع إلى تنقية نفوسنا، وتنقية تلك الشوائب العالقة على جدار إيماننا، حتى نتهيأ لأجمل شهور العام، شهر رمضان، شهر البركة والإحسان. اللهم بلغنا خير الشهور ونحن في صحةٍ وعافية، وسعة رزق، وطول عمر.
ومضة أملكن في الدنيا وكأنك عابر سبيل، كما قال عليه الصلاة والسلام. فحينما تستشعر ذلك وتعيش هذا الدور، دور العبور السريع، فإن ذلك سيشجعك بلا ريب أن تكون فارساً مجيداً وبارعاً في مضمار العطاء، لا تركن إلى الدعة والكسل والراحة، بل عطاءٌ مستمر في عمل الخير، لا تمر عليك دقيقة إلا واستثمرتها في صنع الأثر: أثرك على نفسك، وعلى من حولك، وفي محيط عملك