يوسف الجنيد

في عصرنا الحالي، يشهد العالم تحولاً جذرياً في توازنات القوى الدولية، حيث أصبحت المنافسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين محوراً رئيسياً للديناميكيات الجيوسياسية. مع وجود روسيا الاتحادية كلاعب رئيسي في الجانب الصيني، تتحول أوروبا تدريجياً إلى ساحة معركة غير مباشرة لهذه الصراعات، مما يعزز من عدم الاستقرار البنيوي السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.

هذا الواقع ليس مؤقتاً، بل من المتوقع أن يستمر لعقود قادمة، حيث تشير التقارير إلى أن أوروبا تواجه أكثر لحظاتها خطراً في عقود بسبب الضغوط الخارجية من هذه القوى. سيتناول هذا المقال كيفية تحول هذا الاستقرار إلى عامل طارد للاستثمارات، مع التركيز على التزامات الإنفاق الدفاعي والمثال الحي لتخارج شركات من دول المنطقة كبداية لموجة أوسع.

- أوروبا كساحة معركة في المنافسة الجيوسياسية:

تُعتبر أوروبا اليوم مركزاً للتنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث تسعى واشنطن إلى تعزيز تحالفاتها الأمنية عبر الناتو، بينما تبني بكين نفوذاً اقتصادياً من خلال الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا. روسيا، بدورها، تضيف طبقة إضافية من التوتر من خلال موقعها الجغرافي والاقتصادي، خاصة بعد غزو أوكرانيا في 2022، الذي أدى إلى تعزيز التحالف الصيني-الروسي ضد المصالح الغربية. هذه المنافسة ليست جديدة، لكنها تتفاقم مع مرور الوقت، حيث يتوقع الخبراء أن تستمر المنافسة الاستراتيجية بين هذه القوى للعقد القادم على الأقل، مع استخدام أدوات اقتصادية وسياسية للتأثير على الدول الأوروبية. تواجه أوروبا إكراهاً مزدوجاً من الولايات المتحدة والصين، مما يجبرها على إعادة تقييم استقلاليتها الاستراتيجية. هذا الوضع يؤدي إلى عدم استقرار بنيوي، حيث تتغير السياسات الداخلية بناءً على الضغوط الخارجية، مثل التدخلات في الانتخابات أو النزاعات التجارية، مما يهدد الوحدة الأوروبية ويجعلها عرضة للانقسامات الداخلية.

- التأثير على الاستقرار السياسي البنيوي وطرد الاستثمارات:يؤدي هذا التحول إلى تعزيز عدم الاستقرار البنيوي السياسي في أوروبا، حيث تؤثر التوترات الجيوسياسية على الأسواق المالية والاستثمارات. تشير الدراسات إلى أن المخاطر الجيوسياسية، مثل الصراع الروسي-الأوكراني، تسبب تردداً في الاستثمارات الأجنبية، حيث تؤجل الشركات قراراتها بسبب التهديدات السياسية أو النزاعات. كما أن المنافسة الأمريكية-الصينية تؤثر على الاستثمار الأجنبي المباشر، مع تأثير احتياطي يدفع الشركات إلى تأجيل الاستثمارات بسبب عدم اليقين في الاقتصادات الكبرى. نتيجة لذلك، تتحول أوروبا إلى بيئة طاردة للاستثمارات، سواء كانت محلية أو أجنبية، حيث يفضل المستثمرون المناطق ذات الاستقرار الأعلى. التقارير تشير إلى أن هذه المخاطر قد تؤدي إلى انخفاض في الاستثمارات بنسبة ملحوظة، خاصة في ظل النزاعات المستمرة في أوروبا والشرق الأوسط. هذا الواقع يجعل أوروبا أقل جاذبية مقارنة بالاقتصادات الأخرى، مما يعزز من تدفق الاستثمارات نحو الولايات المتحدة والصين، اللتين تتمتعان بقوة اقتصادية واستقرار نسبي رغم المنافسة.

- التزام أوروبا بالإنفاق الدفاعي وفوائده للصناعات الأمريكية:يفاقم من هذا الاستقرار التزام أوروبا بزيادة الإنفاق الدفاعي، حيث وافق أعضاء الناتو في 2025 على رفع الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، مع تخصيص 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية، استجابة لضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذا الالتزام يفيد في أغلبه الصناعات العسكرية الأمريكية، حيث تذهب معظم العقود والمشتريات إلى شركات أمريكية مثل لوكهيد مارتن وبوينغ، مما يعزز من التغذية الاقتصادية للولايات المتحدة على حساب ميزانيات الأوروبيين. هذا الإنفاق الإضافي يضغط على الاقتصادات الأوروبية، مما يقلل من الاستثمارات في القطاعات المدنية ويعزز من عدم الجاذبية للمستثمرين الذين يخشون التصعيد الجيوسياسي.

- مثال عملي: تخارج شركات من دول المنطقة من استثماراتها في ألمانيا:يُعد تخارج شركات من دول المنطقة من استثماراتها في ألمانيا دليلاً حياً على هذا الواقع. تواجه هذه الشركات ضغوطاً متزايدة من التكاليف التشغيلية العالية، وضعف الطلب في السوق الأوروبية، والبيئة التنظيمية المعقدة، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة. هذا الخروج ليس حالة فردية، بل بداية فقط سيتبعها آخرون كثر، حيث تواجه القطاعات الصناعية المختلفة ضغوطاً من التكاليف العالية والمنافسة العالمية الناتجة عن عدم الاستقرار الجيوسياسي، مما يدفع الشركات إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو أسواق أكثر استقراراً وجدوى اقتصادية.